أسامة بن زيد -رضي الله عنه-

كابد النبي عليه الصلاة والسلام في السنة السابعة قبل الهِجْرة من أذى قُرَيش ما كابد, وحَمَلَ هُموم الدَّعْوة وأعْباءِها ما أحال حياته إلى سِلْسِلَةٍ مُتواصِلَة من الأحْزان والنوائِب، وفيما هو في هذه المَشَقَّة والمُكابَدَة وأشَدِّ الضِّيق أشْرَقَتْ في حياته بارقة سُرور، جاءَهُ المُبَشِّر أنَّ أُمَّ أيْمن وَضَعَتْ غُلاماً فأضاءتْ أساريرُ النبي فأشْرق وَجْهُهُ الكريم، وابْتَهَجَ قلبه الشريف, فَمَن هي أُمُّ أيْمن؟ ومن هذا الغُلام؟ ومن والد هذا الغُلام؟ هذا الذي جعلني أُقَدِّمُ هذه المُقَدِّمة, رسولٌ كريم، سيِّدٌ عظيم، من أرْقى أُسَر قُرَيش, من بني هاشِم تُصْبِحُ حياته سعيدةً لأنَّ أُمَّ أيمن التي زَوَّجَها لِزَيْد بن حارِثة غُلامه ومُتَبَناه، أنْجَبَتْ أُمُّ أيْمَن لِزَيْد بن حارِثَة غُلاماً اسمُهُ أُسامة طبْعاً أُمُّ أيْمن هي بَرَكَةُ الحَبَشِيَّة, كُنْيَتُها أُمُّ أيْمن، كانت مَمْلوكَةً وجارِيَة لآمنةَ بنت وَهْب أُمِّ رسول الله صلى الله عليه وسَلَّم، هذه بركة الحَبَشِيَّة أُمُّ أيمن رَبَّتْهُ في حياةِ أُمِّه وحَضَنَتْه بعد وفاتِها، فَحينما فتح عَيْنه على الدنيا فتحها على أُمِّ أيمن، فأحَبَّها أعْمَقَ الحُبِّ وأصْدَقَهُ، وكان يقول عليه الصلاة والسلام:

((هي أمِّي بعد أُمِّي وبَقِيَّة أهل بيْتي))

أرَأيْتُم إلى هذا الوَفاء؟ .
تَرْوي كُتُبُ السيرة أنَّهُ أكْرَمها في مُناسَباتٍ لاحِقَة أشَدَّ الإكْرام, فمن والد هذا الغُلام؟ إنَّهُ حِبُّ رسول الله صلى اله عليه وسلم, زَيْدُ بن حارِثَة, هل هناك عُنْصُرِيَّة؟ هل هناك تَفْرِقَـة؟ هل هنـاك ما يُسَمَّى بالطَّبَقِيَّة؟ نحن الآن في القَرْن العِشْرين قــَرْنُ الديمقْراطِيَّة والتَّنْوير العِلْمي، نسْتَمِع إلى الأخبار إلى نَزَعاتٍ عِرْقِيَّة تظْهر في أوروبا الغَرْبِيَّة أعْمـال عُنْف ضِدّ كلّ إنْسان ليس من ألْمانْيـا، لا لِشَيءٍ إلا لأنه ليس من هذا العِرْق, لكن النبي عليه الصلاة والسلام لا يفرق بين المسلمين .
حينما تشْعُر أيها الأخ المؤمن أنَّ عندك اسْتِعْداداً, أنْ تقول: أنا غير فُلان، وأنا من بَيْتِ فُلان، أنا أهْلي أغْنِياء، أنا مُثَقَّفٌ، أنا من هذه الأُسْرة، أنا لديّ أمْوال، إذا كان لك اسْتِعْداد أنْ تنْطَلِق هذا الانْطِلاق فابْكِ على نفْسِك وعلى إيمانك، النبي عليه الصلاة والسلام سيِّدُ العُرْب والعَجَم، ومع ذلك هذه التي رَبَّتْهُ وحَضَنَتْهُ وهذه التي فَتَحَ عَيْنَيْه في الدنيا على مُحَيَّاها، هذه أُمُّهُ, قال: هي أُمِّي بعد أُمِّي، من زَوْجُها؟ هو مُتَبَناه، أنا ما أردْتُ من هذه المُقَدِّمة إلا أنْ تَشْعُر أيها المؤمن أنَّهُ ليس لك الفضْلُ على أحدٍ إلا بِالتَّقْوى .
تذْكُرون أنَّ سيّدنا عمر لما اسْتَدْعى سَيِّدَنا سَعْدُ بن أبي وقاص, وقال له:

((يا سَعْدُ, لا يَغُرَنَّك أنَّهُ قد قيل خال رسول الله, فالخَلْقُ كُلُّهم عند الله سَواسِيَة, وليس لهم عند الله قرابة إلا طاعَتُهُم))

الناسُ يتفاضَلون بالعافِيَة وينالون ما عند الله بالطاعة، لقد اِسْتَمَعْتُ قبل أيامٍّ إلى قِصَّةٍ هَزَّتْ مشاعِري أسْرةٌ فيها مجْموعة فَتيات، وبعض هؤلاء الفَتَيات على جانِبٍ من الجمال لكن هناك فتاةٌ كأنَّها أقَلُّهُنَّ شأناً وحَظاًّ، اِعْتَقَد أهْلُها أنَّ هذه أبْقَاها الله لِخِدْمَتِهم, أما أخواتها الأربع فلَهُنَّ أزْواج وبُيوت, وإذْ بِهذه الخامِسَة يأتيها زَوْجٌ كريمٌ كريم، والشُّروط المطلوبة كلها مُتَوَفِّرة بِهذا الزوج، يُكْرِمُها أعْظم تَكْريمٍ ويرفَعُ من شأنِها .
تَعْرِفون القِصَّة التي كُنْتُ أُرَدِّدُها عليكم أنَّ شخْصاً كان يأكل مع زوْجَتِه الدجاج, فَطَرَقَ سائِلٌ الباب هَمَّتْ أنْ تُعْطِيَهُ قِطْعَة من هذه الدجاجة فَنَهَرَها زَوْجُها, وقال لها: اُطْرُديه ففَعَلَتْ، بعد سَنَةٍ أو سنَتَيْن نَشَب خِلافٌ بينهما فاِنْتهى إلى الطلاق، ثمَّ جاءَها زوْجٌ آخر فَتَزَوَّجَها، وفي جَلْسَةٍ مثل الجَلْسَة المُشابِهَة للأولى كانا يأكُلان الدجاج, فَطُرِقَ الباب فَذَهَبَتْ لِتفتح الباب فاضْطَرَبَتْ, فقال زوجُها من؟ قالت: سائِل, فقال زوْجُها: لِماذا اضْطَرَبْت؟ قالتْ: إنَّهُ زَوْجي الأوَّل، فقال: أتَدْرين من أنا؟ قال: أنا السائِل الأول, تعلَّم أنْ تحْتَرِم الناس جميعــاً، وألا تكون عُنْصُريـاً، وأنْ تقيسَ الناسَ بِمِقْياسٍ واحدٍ وهو مِقْياسُ الطاعة لله، قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

( سورة الحجرات الآية: 13)

فأنا دائِماً عندي قاعدة في النظر إلى الناس والتعامل معهم, هذا الإنسان أهو رَحْماني مؤمن أو عُنْصُري له تفْكيرٌ طَبَقي وعِرْقي؟ الدول المُتَحَضِّرَة لها تفْكير عِرْقي، من أجل أنه مسلم يجب أنْ يُقْتل، وهذا هو التفْكير الجاهِلي، أما المُسْلمون فهم أُناسٌ آخرون .
أُمَّ أيمن أنْجَبَتْ طِفْلاً صغيراً اسمه أُسامة لِمَمْلوكٍ سابق اسمه زيدُ بن حارِثة، وكان كُلَّما ذُكرت له, يقول:

((هي أُمِّي بعد أُمِّي وبَقِيَّةُ أهل بيْتي))

هذا الغُلام أطْلق أصْحاب رسول الله عليه الحِبُّ وابن الحِبّ، الحِبُّ هو زيد، وابن الحِبِّ هو أُسامة بن زَيد .

الإسلام حطم قيد الجاهلية وأعلن بدلاً منها القيم والمبادئ :

يا أيها الأخوان، إنْ لم تضَع تحت رِجْلِك كُلَّ قِيَم الجاهِلِيَّة وأعْرافِها فلن تكون مُسلما حق الإسلام، تذكـرون أن أحد مُلــوك بني غَسَّان جَبَلَة بن الأَيْهَم، أسْلم واسْتَقْبَلَهُ عمر ورَحَّبَ به, وفي أثناء طوافِهِ حول البيت، بَدَوِيٌّ من دون أنْ يدْري ويقْصِد داسَ طرَفَ إزاره فانْخَلَع إزارُهُ فَغَضِبَ, والْتَفَتَ نحو هذا البدَوِيّ من قبيلة فزارَة وضربه على أنْفِهِ ضَرْبةً هَشَّمَتْ أنْفَهُ فَوْراً، فاشْتكى هذا البَدَوِيّ لِعُمَر بن الخطاب لما فَعَلَهُ به جَبَلَة بن الأَيْهَم، فاسْتَدْعاه سيّدنا عمر, وقال له:

((لا بدّ من إرْضاء الفَتى، ما زال ظِفْرُكَ عالِقاً بِدِمائِهِ، أوْ يُهْشَمَنَّ الآن أنْفُكَ ، وتنال ما فَعَلَتْهُ كَفُّكَ ، قال: كيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ هو سوقَة وأنا عَرْشٌ وتاج, كيف ترْضى أنْ يخِرَّ النجْمُ أرْضاً؟ فقــال عمر رضي الله عنه: نزَوَاتُ الجاهِلِيَّة دَعْكَ منها، ورِياحُ العنْجُهِيَّة، فالنَّزَواتُ قد دَفَنَّاها أقَمْنا فوقها صَرْحاً جديداً، وتساوى الناس لدَيْنا أحْراراً وعَبيداً، فقال: كانَ وهْماً ما جرى في خَلَدي، أنني عندك أقْوى وأعزّ، أنا مُرْتَدٌّ إذا أكْرَهْتَني، فقال عمر رضي الله عنه: عُنُقُ المُرْتدِّ بالسيفِ تُحَزّ، عالمٌ نبْنيهِ كلُّ صدْع فيه بِشَبى السيف يُداوى، وأعزُّ الناس بالصُّعْلوك بالعَبْد تساوى))

هذا هو الإسلام يُمْكِنُ أنْ تُعامِلَ الناس وكأنَّك واحدٌ منهم، فإن كان عندك خادِم أو أجير أو مُوَظَّف أو امرأة خادِمَة، فهذه لها مكانَتُها وشأنُها عند الله وهي أشْرفُ من ألف امرأة تؤذي الناس فَهِيَ تُطْعم أوْلادها بِعَرَقِ جبينها، يجب أنْ تشْعُر أنَّهُ لا فضْل لك على أحد إلا بالتَّقْوى, كُلُّ هذه القِيَم التي تعارف عليها الناس لا قيمة لها, فالقرآن أغْفَلَها وأهْمَلَها وسَكَتَ عنها، فالقُرآن يتبنّى قيمتين اثنتين قيمة العِلْمُ وقيمة العَمَل، قال تعالى:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

(سورة المجادلة الآية: 11)

والقيمة الثانِيَة, قوله تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

( سورة الأحقاف الآية: 19)

كلُّ هذه القِيَم, وسامة الطَّلْعة، وقِيَمُ الغِنى والقُوَّة، وقِيَمُ الذكاءِ كُلُّها لا قيمة لها عند الله ، فَعِند الله قيمتان: العلم والعمل, يُمْكِنُ أنْ يُقاسَ الناسُ بهما، واحْرَصْ على أنْ تُحْفَرَ في ذِهْنِك هذه الآية:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

( سورة الحجرات الآية: 13)

فإما مؤمن وإما عُنْصُري, والتفْكيرٌ الطبقي أساسه الغِنى والفقْر، والقوَّة والضَّعْف، رُبَّ أشْعَثَ أغْبر ذي طِمْرَيْن، مدْفوعٍ بالأبواب، لو أقْسَمَ على الله لأَبَرَّه .

انظر إلى رسول الله أحب زيد بن حارثة فأحب ابنه أسامة كحب الحسن والحسين :

المُسْلِمون حينما أطْلقوا على هذا الغُلام كلمة حِبّ وابن حبّ رسول الله, ما بالَغوا، فكان عليه الصلاة والسلام يُحِبُّهُ حُبًّا شديداً وتَغْبِطُهُ الدنيا كلها عليه، كانَ أُسامة يُقارِبُ في السِنِّ الحسن بن فاطِمَة الزهْراء، وكان الحَسَن أبيض أزْهر رائِع الحُسْن شديد الشَّبَهِ بِجَدِّهِ رسول الله، وكان أُسامةُ أسْوَدَ البَشَرة، أفْطَسَ الأنف، شديد الشَّبَهِ بِأُمِّه الحَبَشِيَّة, لكنَّ النبي صلوات الله عليه ما كان يُفَرِّقُ بينهما في الحُبِّ حُبُّهُ لِسِبْطِهِ الحَسَن كَحُبِّهِ لابن مُتبناهُ أًسامة، كان يأخذُ أسامة فَيَضَعُهُ على إحْدى فخذه ويأخذ الحَسَن ويضَعُهُ على فخذِهِ الأُخْرى، ثمَّ يَضُمُّهما إلى صَدْرِه, ويقول: اللهمَّ إني أُحِبُّهُما فَأَحِبَّهُما, هذا هو الإنسان الكامل .
ولقد قُلتُ منذ يَوْمَين: إنَّ الإنسان لو سار في الطريق عارِياً، فالإنْسانُ بَشِعٌ جداً وهو عاري الجسد, وهو لا يرْتَكِبُ حماقَةً, ولا يسْقُطُ عند الناس كما لو تعامل مع الناس بِمِقْياسَيْن فهناك في الحياة: ابِنْتُك، وكُنَّتَك, هل لك اسْتِعْداد أنْ تُعامِل ابنتك مثل أنْ تُعامِل زوْجة ابنك؟ لماذا إذا قالتْ لك ابنتك: أنا مريضةٌ يا أبي, تُصَدِّقُها فَوْراً، وإذا قالتْ زوْجَةُ ابنك الكلام نفسه لم تُصَدِّقْها؟ هل لك اسْتِعْدادٌ أنْ تعامل ابنك كما تعامل مُوَظَّفاً يعْملُ عندك في مَحَلٍّ تِجاري؟ إنْ حَمَلَ ابنك شيئاً ثقيلاً بادَرْتَهُ معترضاً, وإنْ حملها خادمك لم تُلْقِ بالاً, هذه هي العُنْصُرِيَّة, وهي أنْ تقيس ابنك بِمِقْياس والأجير بِمِقْياس، وابنتك بِمِقْياس وزوْجَةُ ابنك بِمِقْياسٍ, فأنت عُنْصُري، هل لك اسْتِعْداد أنْ تخدمَ والد زوْجَتِك كما تخْدُم والدك؟ .

أيها الأخوة, لا حِظوا أنفسكم فإنَّ الإنسان أحْياناً يقيسُ بِمِقْياسَيْن وهو لا يشْعُر, ذكر لي أحدهم قصة وهي واقِعِيَّة، بِيَوْمٍ واحدٍ ابنُها اشْترى غسالة حديثة لِزَوْجَتِه، وصِهْرُها اشْترى غسالة لِابِنْتِها، فالحماة بِيَوْمٍ واحدٍ عَنَّفَتْ ابنها على شِرائِهِ هذه الغسالة، وفي اليوم ذاته قالت: اللهم ارْض على فُلان صهرها رَيَّحَ لي ابْنتي، هذه هي العُنْصُرِيَّة، وهي من ضَعْف الإيمان، فإذا أراد الصانع الخُروج من العمل قبل ساعة من أجل الالْتِحاق بالمَدْرَسَة الليلية, وقُلْتَ له: لا ، كان ذلك علامة الأنانيَّة والعُنْصُرِيَّة، اِبْكِ على حالك، نحن نعيشُ هذا الكلام ونراهُ بالمُسْلمين واقعاً, ابنه يُؤمن له اثنى عشر أُسْتاذاً، وخادِمُهُ لا يسْمح له بالخُروج قبل الوقت بقليل من أجل الدِراسة, ثلاثة مئة ألف ليرة كلَّفَتْني من أجل الدروس الخاصَّة، هذا الأمر يُؤْلِمُني أنْ يصدُر من المسلمين، كان عليه الصلاة والسلام يضُمُّهُما إليه, ويقول اللهم إني أحبهما فأحبهما,

((عن أَبِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, قَالَ: طَرَقْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَيْءٍ لا أَدْرِي مَا هُوَ, فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي, قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ, قَالَ: فَكَشَفَهُ فَإِذَا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَى وَرِكَيْهِ فَقَالَ: هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِيَ, اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا))

[أخرجه الترمذي في سننه]

راقبْ نفْسَكَ حينما تُعامِلُ الناس، عامِلِ الناس كما تُحِبّ أنْ يُعامِلوك، هل عندك اسْتِعْداد إذا كنت مُوَظَّفاً وجاءَكَ رجُلٌ مُراجِع أنْ تضعَ نفْسَكَ مكانه، أم أنك تضع أمامه ألف عَقَبَة كأن تقول له: لا بد من أنْ تُصَدِّق لي على هذا التوقيع، وأنت تقْدِر أنْ تتجاوز له عن هذا، وتيسر له المعاملة، ولكن تعرقلها، إما لِإظْهار قيمتك, وإما لكي تُشْعِرَهُ أنَّك إنْسانٌ مُهِمّ وخطير؟ فالإنسان عليه أن يعامِل الناس كما يُحِبّ أنْ يُعامِلوه .
تَرْوي بعض الرِّوايات أنَّهُ بلغ من شِدَّة حُبِّ النبي عليه الصلاة والسلام لأُسامة أنَّه عثر يوماً بِعَتَبَةِ الباب فَشُجَّتْ جَبْهَتُهُ وسال الدمُ من جُرْحِهِ, فأشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى عائِشة رِضْوان الله عليها أنْ تُزيل الدَّم عن جُرْحِهِ فربما أنَّها لم تسْتَجِبْ سريعاً، أو لم تَطِبْ نفْساً, لِذلك فقامَ إليه النبي عليه الصلاة والسلام وجعل يُزيلُ الدَّم عن جَبْهَتِه ويُطَيِّبُ خاطِرَهُ بِكَلِماتٍ تفيضُ عُذوبِةً وحناناً .
وبِالمُناسَبَة فإياكم أنْ تنْزَلِقوا وتَظُنوا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يُمَثِّلُ في هذه الأخلاق كما يفعل بعض الناس، فهذه أبعد عن أخْلاق النبي عليه الصلاة والسلام بُعْد الأرض عن السماء، والآن في زماننا هناك أشْخاصٌ أذْكِياء وبارعون في تمْثيل التَحَبُّب, هذا ليس حُباً ولكن مصْلَحَةً, هذا يفْعَلُهُ الناس أحْياناً, لكن النبي عليه الصلاة والسلام حُبُّهُ حقيقيّ, وصِدْقُهُ ما بعْده صِدْق, وإخْلاصه ما بعده إخْلاص .

أسامة تربى في بيت النبوة فانظر كيف تخرج ؟

أهْدى حكيم بن حزام أحد سَراة قُرَيْش لِرَسول الله صلى الله عليه وسلَّم حُلَّةً ثمينةً شراها من اليَمَن بِخَمْسين ديناراً ذَهَبِياً فأبى النبي عليه الصلاة والسلام أنْ يقبل هَدِيَّتَهُ لأنه كان يوْمئِذٍ مُشْرِكاً، أخَذَها منه بِالثَّمن، لِمَنْ اشْتراها؟ هو لا يلْبَسُها، لَبِسَها النبي مرَّةً واحدة ثمَّ خلعها على أُسامة بن زيد, فكان أُسامة يروحُ بها ويغْدو بين أتْرابِهِ من شُبان الأنْصار والمُهاجِرين، حُلَّةٌ يرْتَديها مَلِكٌ سابق اشْتراها النبي وقَدَّمَها لأُسامة بن زَيْد .
يرْوي التاريخُ أنَّ هذا الصحابيّ الجليل كان ذَكِياًّ جداً، وشُجاعاً خارِقَ الشجاعة، حكيماً يضَعُ الأمور في مواضعها، عفيفاً يأنفُ من الدنايا، آلِفاً مألوفاً يُحِبُّهُ الناس، تَقِياً وَرِعاً يُحِبُّهُ الله ، أحْياناً يكون الإنسانُ ذَكِياً ويُحِبُّهُ الناس ولكنَّ الله تعالى لا يُحِبُّهُ فهو منافق، وأحْياناً الإنسان له عِبادته واتِّصاله بالله لكن يُقَصِّر أحْياناً مع الناس، فالذي ينْبغي أن يكون أنك بِقَدْرِ ما تُحِبُّ الله بِقَدْر ما تكون مع الناس لطيفاً رحيماً وكامِلاً ومُنْصِفاً حتى يُحِبُّك الناس .

إليكم بعض الغزوات التي شارك فيها أسامة بن زيد :

في غزوة الخَنْدَق جاءَ أُسامة إلى النبي عليه الصلاة والسلام لِيَنْخَرِط في هذه الغزوة، فَرَقَّ له النبي عليه الصلاة والسلام وأجازَهُ، أما في أُحد جاءَهُ فَرَدَّهُ صلى الله عليه وسلم لِصِغَرِه، فَبَكى من شِدَّة تأثُّرِهِ، الآن أين تجد أبناء الخامسة عشرة؟ تجدهم بِالمَلْعَب، ويوْمَ حُنَيْن حينما انْهَزَم المُسلمون ثبت أسامة بن زيد مع العباس عمّ رسول الله وأبي سُفْيان بن الحارث بن عَمِّهِ وسِتَّةُ نَفَرٍ آخرين من كِرام الصحابة, فاسْتطاع النبي عليه الصلاة والسلام بِهَذه الفِئَة المسلمة الصغيرة الباسِلَة أنْ يُغَيِّر هزيمة أصْحابه إلى نصْرٍ وأنْ يَحْمِيَ المسلمين الفارِّين من أنْ يفتِكَ بِهِم المشركون .
قد يتساءل الإنسان: أُسامة بن زيد سبْعَةَ عشر عاماً يُمْكِنُ أنْ يُعَيَّن قائِداً لِجَيْش فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعَلِيّ, هذا مَوْقِفُ النبي صلى الله عليه وسلَّم, أوَّلاً: هو قُدْوَة للشباب جميعاً، كُلُّ من دخل الإسلام صار عظيماً سواء أكان شاباً أم كهْلاً أم شَيْخاً, سيِّدنا أبو أيوب الأنْصاري شارك في جَيْشٍ اتَّجَه لِفَتْحِ القُسْطنْطينِيَّة وهو في الثمانين من عُمُرِه, فهذه عَظَمَةُ الإسلام فالإسلام يصْنع الأبطال, الشيْخُ له نَفْسِيَّةُ الشاب، والشاب لهُ حِكْمَةُ الشَّيْخ .
الآن تجد شاباً مُنْدَفِعاً لكنَّهُ أحْمق ولا علم له، حركة عَشْوائِيَّة، وتجد شيخاً وقوراً كلُّه حكمة لا مُروءَة له، فإذا أردت أنْ تكون شيخاً وأنت شابٌّ فَكُنْ مُسْلماً، وإنْ أردتَ أنْ تكون شاباً وأنت شيخٌ فكنْ مُسْلماً .
في يومِ مؤتة جاهد أُسامة تحت لِواء أبيه زيد بن حارِثَة وسِنُّهُ دون الثامنة عشرة, فرأى بِعَيْنَيْه مصْرع أبيه فلم يَهِن ولم يتضَعْضَع وإنما ظلَّ يُقاتلُ تحت لِواء جعفر بن أبي طالب حتى صُرِع, وعلى مرْأى منه ومشْهد، ثمَّ تحت لِواء عبد الله بن رواحة حتى لَحِق بِصاحِبَيْه، ثمَّ تحت لِواء خالد بن الوليد حتى اسْتَنْقَذ الجيش الصغير من براش الروم، ثمَّ عاد أُسامة إلى المدينة مُحْتَسِباً أباهُ عند الله، تارِكاً جسده الطاهر على تُخوم الشام راكِباً جواده الذي اسْتُشْهِد عليه .

النصر العظيم الذي حل بالإسلام وأهله حينما قاد أسامة الجيش لغزو الروم :

المَوْقِف الحاسِم ومركز الثِّقَل في سيرة هذا الصحابيِّ الجليل أنَّهُ في السَّنَة الحادِيَة عشرة للهِجْرة أمر النبي عليه الصلاة والسلام بِتَجْهيزِ جَيْشٍ لِغَزْوِ الروم، وجعل فيه أبا بكرٍ، وعمر، وسعْد بن أبي وقاصٍّ، وأبا عُبَيْدة بن الجراح, وغيْرهم من جِلَّة الصحابة وأمَّر على الجَيْش أُسامة بن زيْد، وهو لم يتجاوز العِشْرين من عُمره، وأمره أنْ يوطئ الخيل تُخوم البلْقاء ، وقَلْعَةَ الداروم القريبة من غَزَّة بِلاد الروم، حرْبٌ هَدَفُها تحْجيمُ الأعْداء وفيما كان الجَيْشُ يتَجَهَّز مَرِضَ عليه الصلاة والسلام، لو أنَّهُ يعْلمُ الغَيْب لَتَرَك هذه المُهِمَّة لِخَليفَتِه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعْلمُ الغَيْب، ولو أنَّهُ كان يعْلم الغَيْب لما مسَّهُ السوء، وهو صلى الله عليه وسلم يخاف إنْ عصى ربَّهُ عذابَ يوْمٍ عظيم، ولا يمْلِكُ لِنَفْسِهِ نفْعاً ولا ضَرًّا, فمن باب أوْلى ألا يمْلِكَ لأصْحابه نفْعاً ولا ضَرًّا, وهذا هو مقامُ النُبُوَّة وأيُّ إنْسانٍ يدَّعي فوق ذلك فَهُوَ دَجَّال .
يقول أُسامة:

((لما اشْتَدَّ المرضُ على النبي الصلاة والسلام تَوَقَّفَ الجَيْشُ عن المَسير اِنْتِظاراً لما تُسْفِرُ عنه حال النبي عليه الصلاة والسلام، ولما ثقُلَ على نبِيِّ المرضُ أقْبَلْتُ عليه وأقْبَلَ الناسُ معي فَدَخَلْتُ عليه فَوَجَدْتُهُ قد صَمَتَ فما يتكلَّمُ من وطْأةِ الداء, فَجَعَلَ عليه الصلاة والسلام يرْفَعُ يدَهُ إلى السماء ثمَّ يضَعُها عليّ فَعَرَفْتُ أنَّهُ يدْعو لي، وما لبِثَ عليه الصلاة والسلام أنْ فارق الحياة وتَمَّتْ البَيْعَة لأبي بكْرٍ، وأوَّلُ قرارٍ اتَّخَذَهُ هذا الصحابيّ الجليل خليفة رسول الله أنَّهُ أمر بإنْفـاذ بعْث أُسامة, لكنَّ الأنْصار رأوا أنْ يُؤخَّر هذا البعْثُ وطَلَبَوا من عمر بن الخطاب أنْ يُكَلِّم أبا بكرٍ، وقالوا له: فإنْ أبى إلا المُضِيّ فأبْلِغْهُ عنا أنْ يُوَلِّي أمْرنا رَجُلاً أقْدَمَ سِناًّ من أُسامة, هذا الصِّديق اللطيف النَّاعِم الرقيق الحليم, ما إنْ سَمِعَ الصِّديق من عمر رسالة الأنصار حتى وَثَبَ وكان جالِساً، وأخذ بِلِحْيَةِ الفاروق وهَزَّها حتى كادَت تنْخَلِع، وقال مُغْضَباً: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا ابن الخطاب اِسْتَعْمَلَهُ رسول الله وتأمُرُني أنْ أنْزِعَهُ, والله لا يكون هذا أبداً، جبارٌ في الجاهِلِيَّة خَوَّارٌ في الإسلام))

بعض كُتاب السيرة المُوَفَّقين, قالوا: هذا المَوْقِف من سيِّدنا عمر ليس مَوْقِفُهُ لكن أراد هذا الصحابيُّ الجليل أنْ ينْقُلَ لِخَليفة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم رأْيَ الأنصار,

((ولما رجع عمر إلى الناس سألوه عما حدث، فقال: اُمْضوا، ثَكِلَتْكُم أُمُّهاتكم، فقد لقيتُ ما لقيتُ في سبيلِكم من خليفة رسول الله، ولما انْطَلَقَ الجَيْش بانْطِلاقة قائِدِهِ الشاب شَيَّعَهُ خليفة رسول الله, هذا المنظر بِتاريخ العالم ليس له نظير، خليفة المسلمين يمْشي وشابٌ لا تزيدُ عُمُرُهُ على سبعة عشر عاماً راكِبٌ الناقة، فقال أُسامة: يا خليفة رسول الله، والله لَتَرْكَبَنَّ أوْ لأنْزِلَنَّ, فقال أبو بكرٍ: والله لا تنْزِل، ووالله لا أرْكَب، وما علَيَّ أنْ أُغَبِّرَ قدَمَيَّ في سبيل الله ساعة – سيّدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان عنده ضَيْفٌ, وهو أمير المؤمنين والسِّراج قد انْطَفَأ، فقامَ سيّدنا عمر بِنَفْسِه وأصلح السِّراج، فهذا الضَّيف وقع في حرَجٍ, فقال له:

((أنت أميرُ المؤمنين، قُل للغُلام أو أكون أنا مُصْلِحه، فقال له: أما أنت فَضَيْفٌ وَسَخافَةٌ بالمرء أنْ يسْتخدم ضَيْفه))

فهكذا النبي علَّمَهُ، ومَرَّةً كان سيِّدُنا عمر بن الخطاب مارًّا بالمسجد ورجُلٌ مُضْطَجِعٌ بِالمَسْجد ليلاً فداسَ على طَرَفَيْه, فقال له ذلك المُضطجِع:

((أَأَعْمى أنت؟‍ فقال: لا، ولما سئل عمر، قال مجيباً: سألني فأجبته))

فالبساطة وعدم التَكَلُّف والتواضع أخلاقهم-
سيِّدُنا أُسامة لما ودَّعَ سيِّدنا الصِّديق, اِسْمعوا هذا الوداع، قال له: أسْتَوْدِعُ الله دينك وأمانتك وخواتيمَ عَمَلِكَ، وأوصيكَ بِإِنْفاذ ما أمرك به رسول الله ثمَّ مال عليه, وقال: إنْ رأيْتَ أنْ تُعينني بِعُمَر فأذن له بالبقاء معي, فأذِنَ أُسامةُ لِعُمَر، هذا هو نِظامُ التَسَلْسُل، ومضى أسامةُ بالجَيْش ونفَّذَ كلَّ ما أمــره به رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, وأَوْطَأ خَيْلَ المُسلمين تُخوم البلْقاء، وقَلْعَةَ الداروم، ونزع هَيْبَة الروم من قُلوب المُسلمين، ومهَّد الطريق أمامهم لِفَتْحِ دِيار الشام ومِصـْر، والشمال الإفْريقي كُلِّه حتى بحْر الظلمات، ثمَّ عاد أُسامة مُمْتَطِياً صَهْوَة الجواد الذي اسْتُشْهِد عليه أبوه حامِلاً من الغنائِم ما زاد على تقْدير المُقَدِّرين)) حتى قيل: إنَّهُ ما رُئِيَ جيْشٌ أسلم وأغْنَمُ من جَيْش أُسامة بن زيد، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت نظْرته في مَحَلِّها, وظَلَّ أُسامة بن زَيْد ما امْتَدَّتْ به الحياة مَوْضِعَ إجْلال المُسْلمين وحُبِّهِم وفاءً لِرَسول الله صلى الله عليه وسلَّم .

العطاء الذي فرضه عمر لأسامة من بيت مال المسلمين :

لما فرض الفاروقُ لأسامة عطاءً، عني أن سيِّدُنا عمر أعْطاهُ عطاءً ويبْدو أنَّ عبد الله بن عمر كان عطاؤُهُ أقَلّ, فقال عبد الله لأبيه مُؤاخِذاً:

((يا أبتِ, فَرَضْتَ لأسامة أربعة آلافٍ، وفَرَضْتَ لي ثلاثة آلاف، وما كان لأبيه من الفضْل أكثر مما كان لك، وليس له من الفضْل أكثر مما هو لي، فقال له سيِّدُنا عمر: إنَّ أباهُ كان أحَبَّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام من أبيك، وكان هو أحَبَّ إلى رسول الله منك))

وكان عمر إذا لَقِيَ أُسامة بن زيد الشاب الناشئ يقول له:

((مَرْحَباً بأميري, فإذا رأى أحداً يعْجَبُ من كلامه, يقول: لقد أمَّرَهُ علي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم))

 

نصيحة لك أيها المسلم :

أيها الأخوة، والله إنهم إن كانوا بشراً فنحن لسْنا من بني البشر، وإن كُنا بَشَراً فهُم فوق البشر، ولكن نقْتَدي بِهم، ونَعْتني بِشَبابِنا، لأن الشاب قيمته عظيمة، شابٌ ذهب إلى تُخوم الروم, وقاد جَيْشاً فيه كِبارُ الصحابة, والنبي عليه الصلاة والسلام وَضَع تحت قَدَمَيْه كُلّ الجاهِلِيَّة والغَطْرَسَة، فراقِب نفْسَكَ في مُعامَلَتِك للآخرين, هل عندك شيءٌ من العُنْصُرِيَّة وتحس أن لك مَيِّزات؟ وهل ينْبغي أنْ تأكُلَ وحْدَك، وأنْ تسْتَخْدِمَ الآخرين وأنْ تستثمر جُهودَهُم؟ إن كنت كذلك فهذا التفْكير يتناقض مع الإيمان، والحقيقة أن هذه الأخبار مُمْتِعَة ولكن الأمْتَعُ منها أنْ تُطَبِّقها، وأنْ تنْطَلِقَ في حياتك من هذه القِيَم, من العَدْل والتواضع والمُؤاثرة وحُبِّ الآخرين وتوْقيرُ الآخرين, وأنْ تسْتخدِمَ مِقْياساً واحِداً وهو المِقْياس الذي وضعه الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

( سورة الحجرات الآية: 13)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*