الأزهر: بوكو حرام يسير على نهج داعش باستعباد النساء

انتقدت دراسة جديدة صادرة عن مرصد الأزهر، التابع للأزهر الشريف بمصر، جماعة بوكو حرام في استغلالها للنساء واستعبادهن جنسيًا.

وقالت الدراسة إنّ ما تمارسه الجماعات الإرهابية من داعش وأخواتها بحق النساء لهو جريمة لم يشهد التاريخ الإنساني لها مثيلًا من قبل؛ مشيرة إلى أن تلك الجماعات لم تكتفِ بالاختطاف القسري والانتهاكات التي لا تقع حتى بين بني الحيوان، ولو نطق الجماد وتحرّك لما فعل مثل هذا، بل جعلت تستغلّ هؤلاء النساء اللاتي وقعن فريسة للاختطاف والقهر تحت حكم جماعات لا مروءة لها ولا إنسانية، وكان الاستغلال بصور بشعة وأشكال غاية في الوحشية، حتى صار أولئك الضحايا محطمات نفسيًّا فاقدات للثقة في كل من حولهن وحتى أنفسهن، يفضّلن الموت على الحياة في ظل عارٍ وكسر من الصعب أن يُجبَر ثانيةً.

وأضاف مرصد الأزهر في الدارسة التي أعدتها وحدة اللغات الأفريقية، أن المتابع لأنشطة الجماعات الإرهابية يجد أن النساء والأطفال جزء أساسي من مخططات تلك الجماعات، إما بالاستهداف أو بالاستغلال، وكأن هذه الجماعات تريد قتل الإنسانية والقضاء على مستقبلها، من خلال تحطيم آمال الأمم وأحلامها المنعقدة على الأجيال القادمة في مستقبل أفضل، علّها تنجح في تحقيق ما فشل أسلافهم في تحقيقه، فما تفعله هذه الجماعات من جرائم يكشف عن مدى البون الشاسع بينها وبين تعاليم الإسلام وقيم الإنسانية ومبادئها.

وأوضح المرصد أن “عرائس الجهاد” مصطلح شاع استعماله مع تنامي ظاهرة النساء المقاتلات ضمن صفوف الجماعات المتطرّفة من داعش وغيرها، وسواء أكان انضمام تلك النساء لصفوف المقاتلين بإرادتها بعد أن تخضع لعمليات غسيل المخ وتلويث الفكر، أو رغمًا عنهنّ بأن يتم الزجّ بهنّ في ميدان العنف ودوائر الدم، تحت التهديد بالقتل أو حتى باستعمال الحِيَل والخديعة كما هو الحال بالنسبة لفتيات بوكو حرام.

وسلط المرصد الضوء على ما نشره موقع “Daily Beast” عن هذه الظاهرة مع التركيز على ما يحدث للفتيات في قبضة جماعة بوكو حرام، ذراع داعش في غرب أفريقيا، وأورد التقرير بعض شهادات لفتيات ونساء وقعن رهن الاختطاف القسري على أيدي عناصر جماعة بوكو حرام، وأوضح التقرير نقلًا عن المصوّر “فلاد سوخين” الذي التقى ببعض المحرّرات والهاربات من قبضة بوكو حرام؛ حيث رويْن قصصًا مروّعة عما لاقينه تحت الاختطاف والقهر في معاقل بوكو حرام.

وأوضح أن “فاتي” ابنة السابعة والعشرين ربيعًا تحكي قصّة اختطافها من قبل عناصر الجماعة وقتل زوجها في قرية “شيا”، ثم تم اقتيادها ونساء أخريات إلى أحد معاقل الجماعة، وهناك يتم التخيير بين تنفيذ عملية انتحارية أو الزواج من أحد المقاتلين لإنجاب “مجاهدين” جدد.

ولم تختلف قصة “فاتي” كثيرًا عن “زينب” ذات الثلاث والعشرين سنةً، والتي شاهدت مقتل زوجها أمام عينيها بعد زواجهما بشهر واحد، وحدث معها نفس السيناريو بعد ما تم نقلها إلى أحد معاقل الجماعة؛ إذ تم تخييرها بين الموت في عملية انتحارية أو القبول بأن تكون زوجةً لمن تختاره الجماعة من مقاتليها، ولكنّها رفضت فتعرّضت لسوء العذاب من جَلْد وإهانة طالت حتى أمّها، ثمّ أجبرتها الجماعة على الانتقال إلى قرية صغيرة مع الرجل الذي أُجبرت على الزواج منه، حتى تمكنت من الهرب بعد أن حملت منه بابنها عبد الله.

أما “إسر” وهي فتاة لم تتجاوز التسعة عشر عامًا فقد تم تخديرها واغتصابها، وإجبارها على الزواج من أحد أفراد بوكو حرام قبل أن تهرب لاحقًا بابنتها ذات الستة أشهر، منتهزةً فرصة وقوع اقتتال بين فصيلين من فصائل بوكو حرام، مما أتاح لها ولبعض الفتيات الأخريات فرصة الهروب من هذا الجحيم.

واستعرضت الدراسة قصصًا أخرى لضحايا أخريات جمعت بينهم شباك بوكو حرام ووحشيتها؛ فمنهنّ من اختطفت مع أبنائها الأربعة، ثم حالت الجماعة بينها وبين أبنائها، فلم تعد تعرف إلى أي حال آلَ مصيرهم، ومنهنّ من تسبب وقوعها في قبضة بوكو حرام والمشاهد المؤلمة التي مرّت بها قبل الهروب أو التحرير في أزمة نفسية وحالة صرع باتت ملازمةً لها، حتى صارت تخاف كل شيء وترتعد أطرافها كلّما سمعت أو قرأت أي شيء عن هذه الجماعة.

واتهم المرصد جماعة بوكو حرام باستغلال النساء وممارسة الإرهاب والقهر والإجرام بحقهن فيما يعرف بـ”عرائس الجهاد”. وتساءل: أين لتلك الجماعات المتشدّقة بإقامة “الدولة الإسلامية” مدّعية الحكمَ بما أنزل الله من تعاليم الإسلام ومبادئ الدّين الحنيف في ما يتعلّق بشأن المرأة ومكانتها؟! وأين هؤلاء من حرمة الدم والعرض؟! “أتخذوا عند الله عهدًا أم يقولون على الله ما لا يعلمون”؟!

وأوضح مرصد الأزهر أنّ الإسلام الذي أنصف المرأة وحرّم انتهاك حرمتها وهتك سترها، مشيرا إلى أن ما تفعله الجماعات الإرهابية ما هو إلا ما زيّن لهم شياطين الإنس والجنّ فعله، فلا أصل له في دينٍ ولا أساس له في عُرف. ولفت إلى أن الإسلام كرم المرأة وأنصفها بعد أن كانت تعامل معاملة دونية في بعض الأزمان الغابرة، وعاد بها لمكانتها التي وضعها الله – سبحانه وتعالى – لها، وجعلها نصف المجتمع؛ أمًّا، وزوجةً، وأُختًا، وبنتًا، وحدّد لها ميادين تتحرّك فيها بين تربية النشء وبناء الأجيال، وكذا معاونة الرجال في بناء المجتمعات ونهضة الأمم، حتى في الأزمات والحروب لم تكن المرأة في الإسلام منوطة بحمل السلاح وملاقاة العدو.

ودعا المرصد الأزهر المجتمع الدولي، لمكافحة التطرّف؛ لحماية النساء والأطفال من مخالب وأنياب تلك الجماعات المتوحّشة، ومضاعفة الجهود لتحرير من ألقى بها مصيرُها في قبضة هؤلاء المجرمين، وكذا تقديم كل سبل الدّعم النفسي والرعاية للناجيات من مستنقع بوكو حرام؛ إذ إنّهنّ في أمسّ الحاجة لاستعادة الثقة في أنفسهنّ ومجتمعهنّ، حتى يَسْتَعِدنَ دورهنّ في الحياة، والذي لا تستقيم أمة بدونه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*