الحض على اكتساب الرزق

الله جل جلاله أودع في الإنسان حاجةً أساسيةً إلى الطعام والشراب، وأودع حاجةً أساسيةً إلى استكمال نصفه الآخر، هاتان الحاجتان الأساسيتان كافيتان كي تدفعانه إلى العمل، فربنا جل جلاله حينما خلق الإنسان صممه ليعمل، فالعمل، والدافع للعمل واضح جداً ؛ الإحساس بالجوع إلى الطعام والشراب، والإحساس بالحاجة إلى النصف الآخر، هذان الدافعان القويان الكبيران الأساسيان هما اللذان يحركان الإنسان نحو العمل.
العمل ما مهمته ؟ العمل مهمته أن تبتلى به، أن تكشف على حقيقتك، أن تمتحن به، الإنسان من خلال العمل يظهر صدقه أو كذبه، استقامته أو انحرافه، عدله أو جَوْره، إحسانه أو إساءته، الجوع بنوعيه يدفعك إلى العمل، والعمل تمتحن به، وسر وجودك في الدنيا الابتلاء..

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

( سورة الملك: من آية ” 2 ” )

 أي أن الإنسان مخلوق لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، مخلوق ليسعد إلى الأبد في جنَّات الله، هذه الجنّات ثمنها العمل، والعمل لا تندفع إليه إلا بهذه الحاجات الأساسية.
 تصور معي أيها الأخ الكريم أن الإنسان لا يجوع، ولا يعطش، ولا يحتاج إلى كساء، ولا يحتاج إلى زواج، كقطعة أثاثٍ في مكان ما، لولا الإحساس بالجوع لما رأيت على الأرض حجراً فوق حجر ؛ لا بناء، ولا مصنع، ولا مزرعة، ولا شيء، لولا الجوع لكان الإنسان جماداً، لكن هذا الدافع الذي أودعه الله في الإنسان، لأن النبي الكريم يقول:

(( إذا أحرزت النفس رزقها اطمأنت ))

( محمع الزوائد: عن ” زيد ” )

 هذا الدافع إلى الطعام، فإذا تأمَّن الطعام دافع إلى الزواج، فإذا تأمن الزواج دافع إلى الذِكر، الله عزَّ وجل قال:

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

( سورة الشرح )

 تأكل وتشرب، تتزوج، عندئذٍ تبحث عن الشأن والذكر والعلو بين الخلق. إذاً العمل قدرنا، مَن يعمل يحقق مراد الله عزَّ وجل، أحاديث كثيرة، آياتٌ كثيرة تدعونا إلى العمل، من خلال العمل يُكشف الإنسان على حقيقته، من خلال العمل يبتلى، من خلال العمل يظهر صدقه أو عدم
صدقه، إخلاصه أو عدم إخلاصه، إحسانه أو عدم إحسانه، وفاؤه أو عدم وفائه، يعني يجب أن تعلم أيها الأخ أن عملك، حرفتك، تجارتك، صناعتك، زراعتك، تدريسك، مقاضاتك أمام القضاة كمحامٍ، تطبيبك كطبيب، عملك كمهندس، عملك كبائع، كتاجر، تُكْشَف على حقيقتك من خلال عملك، وأنت مضطرٌ أن تعمل، مدفوعٌ إليه دفعاً، إذاً ربنا عزَّ وجل حينما يريد شيئاً يدفعك إليه دفعاً عن طريق زرع هذه الحاجة في نفسك.
 في شيء ثانٍ، لو أن الله جل جلاله أرادنا ألا نعمل، لخالق الدنيا على نمطٍ آخر، يعني الذي خلق هذا الكون المُعْجِز يصعب عليه أن يخلق بيوت جاهزة ؟! لو كان القصد أن نستمتع في الدنيا، لوجدنا بيوت جاهزة وفيها مؤونة تكفي طول الحياة، ما كان في حاجة كي نزرع القمح، ولا كي نزرع الحمص، ولا كي نزرع الخضار والفواكه، ولا أن نبني البيوت، ولا أن نزرع القطن، ولا أن نحلُج القطن، ولا أن نغزل القطن، ولا أن ننسجه، ولا أن نلبسه.
 فلما ربنا عزَّ وجل جعل ما في الأرض من مواد لا ينتفع بها إلا عن طريق العمل البشري، لابد من جهدٍ بشريٍ، وعلمٍ بشري يحول هذه القدرات الكامنة، وهذه الطاقات، وتلك الثروات إلى شيءٍ ملموس، يعني مثلاً الحديد، لو كان القصد ألا نعمل لوجدناه مبروم جاهز، بسماكة ستة ميليمتر، وثمانية ميليمترات، واثني عشر، ومحلزن وغير محلزن، ومبسَّط، وصفائح، ومبروم..إلخ، لكن الله جعله فلزات ؛ يحتاج إلى كشف، يحتاج إلى حفر هذه المنطقة، إلى تهيئة أفران عالية، إلى تصنيع الحديد ؛ بعضه فيه شوائب، وبعضه ما فيه شوائب، بعضه فيه فحم وبعضه ما فيه فحم، حديد خام، حديد مُطَرَّق، حديد فولاذ، فولاذ مرن، فولاذ نقي، معنى هذا عندما ربنا عزَّ وجل خلق الحديد فقط فلذات، و أعطانا فكر معنى هذا أرادنا أن نعمل.
 خلق النبات مرة واحدة، النبتة فيها بذر، أي أرادنا أن نزرع، لكن الذي صمم البذرة على أن تودَع في الأرض وفيها الرُشيم، فيها السويق، فيها الوريقة، فيها محفظة غذاء تكفي النبتة حتى تأخذ غذاءها من الأرض، ربنا جل جلاله.
فهذه المقدمة: حينما خلق فينا دافع الجوع ؛ الدافع إلى الطعام، والدافع إلى الجنس الآخر، وحينما جعل المواد التي أودعها في الأرض لا ينتفع بها إلا عن طريق العمل، أرادنا من العمل أن نُمْتَحَنَ به. الآن:

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

( سورة المؤمون )

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

( سورة الملك: من آية ” 2 ” )

﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾

( سورة الأنفال: من آية ” 42″ )

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾

( سورة العنكبوت )

 إذاً أرادنا الله عزَّ وجل أن نعمل.
 الآن، العمل في عمل حرام وفي عمل حلال، في عمل حلال وممارسته حرام، وفي عمل حرام ممارسته حلال، يعني البضاعة محرَّمة شرعاً ولكن السعر معتدل، ولا يوجد في البيع كذب، لم نستفد شيء، أصل البضاعة حرام، في عندنا أصلها حلال لكن طريقة التعامل بها طريقة محرَّمة، فالآن نحن دخلنا في بابٍ جديد، كل إنسان له حرفة، وله عمل، يجب أن يعلم أن دينه كله في عمله، دينه ليس في المسجد بل دينه كله في عمله، فالعبادات التعاملية هي أخطر العبادات في الإسلام، لأن العبادات الشعائرية تُبْنى عليها، العبادة الشعائرية تبنى على التعاملية، فإذا صحَّت علاقتك بالخلق وفق منهج خالق الكون صحت صلاتك، وصح صيامك، وصح حجك، وصحَّت أعمالك، أما إذا بنيت علاقاتك بالخلق على أساس الخروج عن منهج الله عزَّ وجل، صلاتك لا معنى لها.
 فأنا الذي أتمناه، وقد قال لي أحد الإخوان البارحة: أنه عجيب تجد إنسان يرتاد المساجد، يحضر مجالس العلم، ويأكل الربا، يوكل الربا، يقرض بفائدة، عجيب !! فما كان مني إلا أن ذكرت له طُرفةً، أحياناً الطرفة أبلغ من الكلام الجاد، قلت له: أحياناً يكون في آلة تصوير غالية جداً، ثمينة جداً، عدسة رائقة جداً، التعقيدات التي بها ؛ سرعة، ومسافة، وتحديد.. إلخ، وتأتي بهذه الآلة تضعها أمام منظر جميل جداً، وتحكم الفتحة، تحكم الإضاءة، تحكم المسافة، تحكم السرعة، وتركّزها تماماً وتلتقط هذه الصورة، ولكن فيلم ما فيها، ما استفدنا شيء.
 فكل واحد يرتاد بيوت الله عزَّ وجل وليس طالباً رضاء الله، ليس ناوياً أن يستقيم، ليس قاصداً الطاعة لله عزَّ وجل، هذا الإنسان مثله تماماً كمثل آلة تصويرٍ غاليةٍ جداً لكن لا فيلم فيها، فكأن الكلام الذي يسمعه دخل من أذنٍ وخرج من أخرى.
 هذا الدرس أساسه كان هذه الملاحظة، هذا الأخ الذي لاحظ هذه الملاحظة قال لي: إنسان يصلي، إنسان في الصف الأول، إنسان يرتاد بيوت الله عزَّ وجل أيعقل أن يقرض بالربا ؟ أعوذ بالله !! وأين دينه ؟ ألم تقل السيدة عائشة عن أحد أصحاب النبي الذي خالف منهج الله في البيع والشراء، قالت:

(( قولوا له إنه أبطل جهاده مع رسول الله ))

 فأنا أتمنى على الإخوان الكرام تعتقد أن دينك أين يظهر ؟ لا في المسجد، لا، في المسجد إنسان وديع، لطيف، جالس، مستمع، أقيمت الصلاة، وقفت صليت الفرض والسنة، وأغمضت عينك، ودعيت مع الداعين، لا، لا، لا، ليس هذا هو الدين، الدين لا يظهر إلا في محلك التجاري، في حرفتك، في عيادتك، في مكتبك، في تعامُلك، في بيعك، في شرائك، في بيتك، هذا الدين، لذلك كان هذا الدرس، هذا الدرس ما معنى الدين؟ يعني أنت إنسان أردت أن تُظْهِرَ لله عزَّ وجل أنك مطيعٌ له، فظهرت هذه الطاعة في عملك.
 وإذا أردتم أكبر مأخذ على أهل الدين، أكبر مأخذ يأخذه أعداء الدين على أهل الدين، لا يأخذون عليهم على أنهم يصلون ـ بالعكس ـ ولا على أنهم يصومون، لكن مأخذهم الوحيد أنه يا أخي معاملته سيئة، ما له صادق، ولا وفي، ما وفى بعهده، كذب، فإذا إنسان كذب مرة دخل بمخالفة كبيرة جداً، لأن المؤمن لا يكذب.
عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( ما أكل أحدٌ طعاماً قطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه الصلاة والسلام كان يأكل من عمل يده ))

 أولاً: هنيئاً لكل واحدٍ منكم يأكل من عمل يده، لأن النبي الكريم يجعل أن تأكل من عمل يدك هذا أرقى وأنقى دخل، لأنه أحياناً تكون أنت دلال مثلاً، ذهبت من زبون، رأى البيت، وأعجبه، أخي اسمح لنا بخمسين ألف، ماذا عمل هذا ؟ خمسين ألف بخمس دقائق، واحد أحياناً يأخذهم بسنة، يأخذهم بشهران أو ثلاثة، في أعمال طبعاً لها وجه، لا أقول العمل غير مشروع، لا، ولكن أحياناً لا يشعر الإنسان أن هذا المال أخذه حلال، أي أنه من دون مبرر، أو مبلغ كبير استكثره، في أعمال كثيرة تحس أن الدخل فيه شبهة، ما في جهد يقابل الدخل، أما إذا واحد عمل بيده عملاً شاقاً، وتصبب عرقاً، وبلغ به الجهد أقصاه، قال لك: اسمح لي بالأجرة، تقول له: الله يعطيك العافية، الله يمن عليك بالعافية، الله يجزيك الخير، وتفضل، تعطيه أجرته وترغب أن تعطيه زيادة، لماذا ؟ لا تعرف. لأنه تعب.
 فإذا كنت تريد رزق حلال حلال حلال، أولاً: هنيئاً لكل الذين يعملون بأيديهم، طبعاً ليس شرط أن يكون عملك بالقدوم، اسأل المدرس أنا أعزي نفسي كذلك، الساعة السادسة تحس حالك مثل الليمونة المعصورة، ما عاد فيها شيء أبداً، الساعة السابعة تدريس، الساعة الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة أمام خمسة وخمسين طالب تريد أن تقنعهم، وتفهمهم، وتبين لهم، وتعرب لهم، ووظائفهم، وبعدها تحس الساعة السادسة ما فيك حيل أبداً، تأتي للبيت ساكت، احكي ما بقى في حكي، خمس ساعات حكي، انتهيت، فما هو الشرط أن يكون عملاً بالمطرقة والقدوم، لا، لكن في أعمال شاقة، يعدون التدريس من أشق الأعمال بعد عمَّال المناجم، من أشق الأعمال لأنك تعالج نفس، هذا الخشب معروف في معك مطرقة، ومعك منشار، ومعك فارة أليس كذلك ؟ ومعروف طبيعة الخشب هذا زان، هذا شوح، هذا رومي، هذا سويد، كل خشب له ترتيب معروف، المسمار بالزان ينثني، يجب أن يكون خشب شوح للمسمار، الزان يحتاج لبراغي، كل قضية لها ترتيبها، أما أنت بالتعليم تعامل نفس، أحياناً طالب شاذ، أحياناً طالب مزعج، أحياناً طالب لا يتعلم، جاء من أجل أهله، أحياناً طالب متخلِّف عقلياً، طالب عنده حركة زائدة، تريدة إقناعه، وتعلمه، وتفهمه، فالقصد أن تبذل جهد حقيقي.
 لو فرضنا دلاَّل كلفته البيت، أراك أول بيت، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، رابع طابق، خامس طابق، طلع معك، نزل، أول جمعة، ثاني جمعة، خامس جمعة، وبعدها وجد لك بيت مناسب وسعر مناسب وقال لك: اسمح لنا، ستقول له: والله، الله يعطيك العافية، يطلع له والله، يحق له أن يأخذ مبلغ لا بأس به، لكن لأول علاقة، أول ما دليته على هذا البيت ناسبك، ثمن البيت كذا مليون، يقول لك: اسمح لنا بثمانين ألف، شغل خمس دقائق، أنت تتضايق ؛ لا يطلع له، هو ما عمل شيء، فهنا الحديث:

((ما أكل أحدٌ طعاماً قطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه الصلاة والسلام كان يأكل من عمل يده ))

( رواه البخاري وغيره، وابن ماجه )

ولفظ ابن ماجه:

(( ما كسب الرجل كسباً أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه، وأهله، وولده، وخادمه فهو صدقة ))

 شيء جميل والله، إن كان لك عمل شاق، دخلك من هذا العمل حلالٌ مائة بالمائة، وإذا أنفقت من هذا الكسب على نفسك، وعلى أهلك، وولدك، وخادمك فهو لك صدقة، ما قولكم؟! فهو لك صدقة.
 بالمناسبة: اسأل أطباء القلب كلهم، اسألهم: ما أفضل شيء لوقاية الإنسان من أمراض القلب ؟ يقولون لك: بذل الجهد، كبار الأغنياء يشتري مزرعة ويشتغل فيها، لأن أساس الصحة بذل الجهد، فلما ربنا عزَّ وجل صمم الإنسان يشتغل، ويتحرك، سيدنا الصديق كان راكب ناقته، فوقع زمامها على الأرض، فنزل ليأخذها فقالوا:
ـ يا خليفة رسول الله نكفيك ذلك.
ـ قال

(( لا، سمعت حبيبي رسول الله يقول: ” لا تسألوا الناس شيئاً ))

 عوِّد نفسك تبذل جهد، عود نفسك تشتغل، لأن هذه الصحة أيضاً، فخذها من الزاوية الصحية بذل الجهد أساس الوقاية من أمراض القلب، لازم تمشي، لازم تتحرَّك، لازم تشتغل، لازم تحمل، لازم تحفر إذا كان عندك مزرعة، أنا أرى السعداء دائماً، الأصحاء في الدنيا في عندهم جهد واضح يبذلونه.
الآن الحديث الآخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لأن يحتطب أحدكم حزمةً على ظهره، خيرٌ له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه ))

( رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي )

 يعني شيء رائع جداً يكون لك عمل، مهما بدا لك أن ما هذا العمل ؟ ما هذه الشغلة ؟ إذا واحد جالس على الرصيف وباع خضرة مثلاً، أتى بباذنجان وميزان وباع، فهل عمله في شيء من الخجل ؟ لا والله، والله وسام شرف، أحياناً ما عنده دكان فأخذ رصيف وباع خضرة عليه، هذه أبلغ كأن تحتطب وتبيع الحطب.
حديث آخر: عن أنسٍ رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار ـ هذا حديث دقيق جداً ـ أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، أي يريد شيء..
ـ فقال

(( أما في بيتك شيء ؟ ))

في عندك شيء.
 ـ قال: بلى حلسٌ ـ أي كساء يلي ظهر البعير ـ حلثٌ نلبث بعضه ونبسُط بعضه، وقعبٌ نشرب فيه الماء.
ـ قال: إئتني بهما ـ أحضرهما، الآن دققوا في هذه المعالجة ـ فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 الآن يأتي إنسان ما عندي شيء. أكيد ؟ أبداً هذا البيت تفضل، حكى لي أخ كريم رئيس جمعية قال لي: والله نحن لا نشتغل بالتحقيق، نحن ما عندنا، أخذوا العنوان وطلعوا برأس الجبل، دقوا الباب فوجدوا البيت أعوذ بالله ما فيه شيء، بساط مقطوع وهلهل، طنجرة سوداء، قدرة ماء، فرشة من الإسفنج سماكة سنتيمتر، شيء يبكي، شيء يقطع القلب، هذه اللجنة ثلاثة، في واحد ما ارتاح للمنظر، ولكن ما حكى، ثاني يوم أتى للبيت مرة ثانية وطرق الباب ما في أحد، طرق كثيراً، فلم يجد أحد فيه، وبعدها طلعوا الجيران ماذا تريد يا أخي ؟ هذا البيت أين أصحابه ؟ قال: إنهم لا يسكنون هنا ولكنهم يسكنون في ذاك البيت، دق على البيت الثاني وجد ثريات، وبرَّاد، بيت درجة أولى، وهذا يعملونه عدة، مصلحة، يعطون العنوان للجنة، فتأتي اللجنة هنا، والله معهم حق، شيء يقطع القلب، انظر الصدق..
ـ قال له: أعندك شيء ؟ أما في بيتك شيء ؟
ـ قال: بلى حلسٌ نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء.
ـ قال: إئتني بهما. فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، هذه أول مزايدة بالإسلام، وقال:
ـ مَن يشتري هذين ؟
ـ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. يسووا درهم.
ـ فقال عليه الصلاة والسلام: مَن يزيد على درهمٍ مرتين ؟ ـ نريد سعر أعلى من هذا ـ أو ثلاثاً ؟
ـ قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. رسا المزاد على درهمين، فأعطاهما إياه، فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، صار في قبض، سُلِّمت البضاعة وقُبض الثمن، فقال عليه الصلاة والسلام للأنصاري:

(( اشتري بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك ـ بالدرهم طعام انبذه إلى أهلك أي ادفعه إلى أهلك ـ واشتري بالآخر قُدُّوماً فاءتني به ))

 فأتاه به، فشد به النبي صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ـ طبعاً اشترى قدوم حديد فقط ـ وشد فيه عوداً بيده، ثم قال:

(( اذهب فاحتطب، وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوماً ـ أي لا تريني وجهك إلا بعد أسبوعين ـ ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم ))

 كان كل أثاث بيته ثمنه درهمين، أتى بخمس أضعاف أثاث بيته، فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاماً، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألة نكتةً في وجهك يوم القيامة ))

 هذه معالجة النبي الكريم لإنسان فقير، قال له: بع، مَن يشتري هذين ؟ قال له: بدرهم، من يزيد عليها مرتين أو ثلاث قال رجل آخر: أنا أشتريها بدرهمين، دفع له هذا الأثاث ؛ الحلس والقعب، وقبض الدرهمين، وقال للأنصاري: اشتري بأحدهما طعاماً، فانبذه إلى أهلك واشتري بالآخر قدوماً فاءتني به، فأتاه به فشد فيه النبي عوداً بيده وقال: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوماً، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال له النبي الكريم: هذا خيرٌ لك من ان تجيْ المسألة نكتةً في وجهك يوم القيامة ؟ يعني أثراً كالنقطة في الوجه، مثل عيب.؟
 هذه قصة، وهذا توجيه، مهما كان العمل شاقاً خيرٌ لك من أن تسأل، مهما كان العمل خشناً خيرٌ لك من أن تسأل، لأنك بالعمل ترفع رأسك عالياً، بالعمل تحفظ ماء وجهك، بالعمل تُثْبِت أنك إنسان جدير بالعمل.
 اسمعوا هذه الكلمة مني: من تأفف من عمله لا يصلح لأي عملٍ آخر، من السذاجة والغباء أن تعتقد أن هناك عمل كله ميزات وليس له متاعب، هذا التفكير تفكير ساذج وغبي، ما في عمل ما له متاعب، كل عمل له ميزات وله مسالب، ولكن ضعاف العقول ضيقوا الأفق يرون ميزات بعض الأعمال وينسون مسالبها ومتاعبها، أما كل عمل يقول لك: أخي التجارة غير، هذا كلام الموظف، فعلاً دخلها أكبر، ولكن تأتي على التاجر ساعات مثلما قال النبي الكريم:

(( يأتي على القاضي العدل ساعةٌ يتمنى فيها أن لو لم يقض بين اثنين في تمرة ))

 في أزمات، في هبوط أسعار، في إفلاسات، في مسؤولية أمام الدولة أحياناً، في جهات عديدة جداً تسألك سؤالاً محرجاً، وتحاسبك حساباً عسيراً، وتدينك، فمقابل الدخل الأعلى من دخل الوظيفة، في هموم لا يعلمها إلا الواحد الديّان.
 هذا الكلام ينقلنا إلى فكرة أتمنى أن أشرحها لكم بوضوح، هذه الفكرة ملخصها أن المجموع ثابت، معنى هذه الجملة، لو فرضنا أن الله عزَّ وجل أعطى لكل حظ علامة ؛ الصحة علامتان، أو عشر علامات، زوجة جيدة عشر علامات، صاروا عشرين، أولاد أبرار عشر علامات صاروا ثلاثين، دخل يكفي صار أربعين.. إلخ، جمِّع هذه الحظوظ كلها، لو عندك مقاييس دقيقة جداً تقيس بها الناس، آخذ كل واحد من ربه مائة علامة ولكن موزَّعين، ولكن المجموع ثابت، الذي عاطيه راحة بال لا يكفيه دخله، والذي يعطيه دخل فوق حاجته سلبه راحة البال، لا ينام الليل من الحسابات، والمشاكل، والهموم، الذي يعطيه دخل كبير تاعبه من جهة، والذي يعطيه دخل قليل مريحه من جهة، الذي يعطيه زوجة ممتازة أولاده متعبين أحياناً، أولاد جيدين زوجة متعبة، زوجة جيدة ودخل جيد ما في أولاد عقيم، أولاده كثير ودخله قليل، لو معنا مقاييس دقيقة وموضوعية نقيس بها هذه الحظوظ لوحَّدت الله عزَّ وجل وقلت: المجموع ثابت.
 يعني الله موزع الحظوظ ولكن توزيع عادل، مجموع العلامات مائة ولكن كيف موزعين ؟ كل واحد له ترتيب خاص، فمن يتأفف من عمله لا يصلح لي عملٍ آخر، أبداً خذها قاعدة، كل عمل له متاعب، فالكسول يتأفف من هذا العمل، ولو عمل عملاً آخر لتأفف منه، ولو عمل عملاً ثالثاً لتأفف منه.
سُئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الكسب أطيب ؟ قال:

(( عمل الرجل بيده، وكل كسبٍ مبرور ))

( من كنز العمال: عن ” الحارث عن علي ” )

 والله يا إخوان، واحد قال لي كلمة بزمانه، لو قلت لكم مركز عمله عنده مكتب فخم جداً تجاري، إن قلت لك طبيعة مكتبه لا يوصف ؛ فالأرض، والمكتب، والجدران كلها من خشب، وخمس أو ست هواتف، وموظفين، سيّارات، قال لي بالحرف الواحد: أنا عملي قذر، يبدو تجارة محرَّمة، أو في علاقات غير صحيحة، أو في احتيال، أو في تجارة ممنوعة عند الله عزَّ وجل، يجوز ولكن لا أعرف، أنا رأيت مكتب تجاري، قال لي: أنا عملي قذر، وحكاها باللغة الإنكليزية قال لي: ( Dصلى الله عليه وسلم RTY WORK ) أنا عملي قذر، يبدو أنه استيقظ ضميره، أو شعر أن عمله ليس في صالح الناس، وليس في خدمة الناس، يبدو أنه يكسب مالاً بالاحتيال أو بأسباب غير مشروعة، لا أعرف، فأنا لا أتدخل لأنه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
 ولكن من غرائب الصدف، يوم زرت أحد إخواننا مصلح سيارات وكان الوقت شتاء، وكان في وحل بالأرض، ولابس أفارول أساسه أزرق، وأصابه من الزيت، والشحم، والوحل ما لا سبيل إلى وصفه، ومنبطح تحت االسيارة، ويفك الأبواب، وتعبان، وبرد، والله طلعت من نفسي كلمة قلت: هذا عمل نظيف، وتذكَّرت مكتب الشخص البارحة الفخم، المكتب طوله ثمانية أمتار، وتليفونات، والأرض موكيت بسماكة كبيرة تغرق فيها، الجدران كلها خشب، النباتات الطبيعية الغالية جداً، الإضاءة المخفية، تصورت المكتب الفخم وقال لي: أنا عملي قذر، وتصورت هذا الأخ المؤمن النصوح، الذي يصلح التصليحة من قلبه بصدق ويأخذ أجر معتدل، ويقول لك: هذه جاهزة تفضل هذه السيارة، وماذا يأخذ ؟ طلع له مائة ورقة أو مائتين ورقة، طلعت مني صيحة أن هذا هو العمل النظيف.
أحياناً يكون لك محل قد يكون محل بين نوفوتيه مثلاً، بشارع مزدحم بالنساء، بالحمرة مثلاً، طريق الصالحية، النساء يدخلون كاسيات عاريات، مائلات مميلات، فاسقات، فاجرات، بحسب الظاهر والله شغلة ممتعة، جالس مع حسناوات، أما يمكن أي عمل آخر مع الحديد، مع الشحم، مع الباطون ولكن فيه استقامة، هذا العمل أنظف بكثير، ابحث عن عمل نظيف في حقيقته، ما فيه اختلاط، ما فيه كذب، ما فيه أيمان كاذبة، ما فيه احتيال.
 الآن مصالح كثيرة، قال لي أخ اليوم: يعني يظهر أنه جالس مع زميل له بالمحاماة، ويحكي الأخ المؤمن بالقيَم، فماذا قال له زميله ؟ قال له: كفاك حكي، نحن إن لم نكذب ونحتال لا نعيش، ماذا نفعل ؟ قال لي: والله بعد أسبوع رأيت نعوته على الجدران، جمعة، بقيت الكلمة ترن بأذنه رن: أنه إذا ما كذبنا لا نعيش، هذه آية أم حديث ؟ مَن قال هذه الكلمة؟ انظر القرآن ماذا قال، ماذا قال النبي العدنان اللهم صلِ عليه.
 فدرسي مهمته: أن دينك يظهر بعملك، دينك بتجارتك، دينك ببيعك، دينك بشرائك، دينك ببيتك، دينك بغض بصرك، دينك بصدقك، دينك بإخلاصك، دينك بوفائك، هذا هو الدين، إذا كان الناس هكذا دخل الناس في دين الله أفواجا، تجد أفواج داخلين بالدين، أما إذا صار الدين صوم وصلاة، صلاة جوفاء، وصوم شكلي، وحج للسمعة والتجارة، واحتفالات وأناشيد، وعطر، وتبجيل، وتعظيم، لكن ما في استقامة، عندئذٍ يجعلنا الله وراء الأمم كلها، الله قال:

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

( سورة التوبة: من آية ” 40 ” )

 معناها:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

( سورة النور: من آية ” 55 ” )

 فقال: أي الكسب أطيب ؟

قال:
((” عمل الرجل بيده وكل كسبٍ مبرور ))

( من كنز العمال: عن ” الحارث عن علي ” )

 وفي حديثٍ آخر: سُئِل عليه الصلاة والسلام عن أفضل الكسب ؟ فقال:

(( بيعٌ مبرور وعمل الرجل بيده ))

( من الدر المنثور: عن ” رافع بن خديج ” )

 في حديث لكن هو ضيف ولكن ما في مانع من روايته:

(( إن أطيب الكسب كسب التجار ؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسّروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ))

 فالنبي الكريم يقول:

((كل بيعٍ مبرور ))

( من كنز العمال: عن ” الحارث عن علي ” )

 الآن في عندنا حديث مهم جداً: عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ ؛ قوي، نشيط، عضلات مفتولة، حركته نشيطة، فرأى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه فقالوا:
ـ يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله !! لو أن هذه العضلات، هذا النشاط، هذه القدرة، هذه الحركة.
ـ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله))

 يريد أن يتزوج ولا يريد أن يزني، يريد أن يشتري بيت، يريد أن يؤمِّن بيت، يريد أن يعمر غرفة واحدة بالغوطة ولا يريد شيء، غرفة ومنافعها ويشتغل عشر ساعات أو عشرين ساعة في اليوم، مَن قال لك أن هذا ليس في سبيل الله ؟ انظروا النبي الكريم اللهم صلِ عليه، قال:

(( إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان “))

 أن كنت تريد من عملك، أن يكون عمل لكسب رزقك، رزق أولادك، رزق زوجتك، تريد أن تطعمهم، تلبسهم، الدنيا شتاء مثلاً تدفئهم، تسرُّهم، مَن قال لك أن هذا العمل للدنيا؟ في سبيل الله، أنت فقط آمن بالله عزَّ وجل كله في سبيل الله، ما عاد في شيء لك وشيء لله عزَّ وجل، هذه ساعة لك وساعةٌ لربك ليست ورادة إطلاقاً، حينما تعرف الله عزَّ وجل كل عملك يصبح في سبيل الله، بيعك، وشراءك، حتى دراستك الجامعية، حتى عيادتك، حتى مكتبك المحاماة، حتى مكتبك الهندسي، حتى تدريسك، حتى سفرك أحياناً.
ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله يحب المؤمن المحترف ))

( من الجامع لأحكام القرآن )

 لك حرفة، صاحب مصلحة، عندك خبرة، شيء جميل ! مؤمن هكذا كانوا العلماء سابقاً، سيدنا الصديق كان بزَّاز، سيدنا أبو عبيدة كان قصَّاب، سيدنا ابن عوف كان تاجر، سيدنا عثمان كان تاجر، سيدنا أبو حنيفة كان بزَّاز، سيدنا ابن حنبل كان يلتقط ما لم يؤخذ من الفواكه ويبيعه ويكتفي بدخله، قال:

(( إن الله يحب المؤمن المحترف ))

( من الجامع لأحكام القرآن )

 سيدنا الصديق رضي الله عنه حينما تسلَّم الخلافة، في اليوم الأول حمل قماشاً على ظهره واتجه إلى السوق ليبيع القماش ليأكل، كَبُرَ على أصحابه ذلك: أنت خليفتنا، ونكفيك نحن أمر معاشك !! فقال سيدنا الصديق: ” لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي ـ أنا عندي حرفة تعينني على تأمين رزقي وكفاية أهلي ـ ولكني شغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبا بكرٍ من هذا المال…. “. أخذ الحد الأدنى، الحد الأدنى ما يسمى الآن تعويض تفرغ، تفرَّغ لإدارة شؤون المسلمين في كل الأقطار، أخذ تعويض من بيت المال تفرُّغ يكفيه الحد الأدنى، قال: ” فسيأكل آل أبا بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين ” أنا أصبحت حرفتي الآن خدمة المسلمين ؛ رعاية مصالحهم، تأمين حاجاتهم، فتوح البلاد، فلما جاءه من الفتوح دخلٌ ـ استمعوا ـ رد كل ما أخذه من بيت المال وأعاده لبيت المال، عندئذٍ لم يأخذ من بيت المال شيئاً.
وارد بتفسير الحديث أن سيدنا نوح كان نجَّار، وسيدنا إدريس خيّاط، وسيدنا موسى كان راعي غنم، النقد دفعه من رعي الغنم..

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾

( سورة القصص: من آية ” 37 ” )

 داوود كان يعمل القفاف، وكان يعمل الدروع بنص القرآن الكريم، وكان ملك سيدنا داود، وكان النبي عليه الصلاة والسلام كم مهنة له ؟ كان راعي، وكان تاجر مُضارب، المال مال خديجة والجهد منه، هذه شركة مضاربة، شركة استثمارية، وكان تاجر بيَّاع، لكن فترة قصيرة كان له شريك في مكة، ثم تفرغ للمسلمين.
وتجد علماء كثر ؛ هذا نجار، هذا خوَّاص، مَن هو الخواص ؟ هذا شيخ الشعراني كان خواص يصنع الخص من القصب، يقول لك: عملنا خص قصب، الخواص الذي يصنع الخصوص. فتاريخ العلماء أيضاً كله مِهَن وأعمال، لأنه شيء رائع جداً تكون أنت قدوة، يصيبك ما يصيب الناس، الذي يخافه الناس تخافه أنت، الذي يحرص عليه الناس تحرص عليه أنت.
فهذا الدرس محوره: أنه ينبغي أن يظهر دينك في عملك، والدين يظهر أكثر ما يظهر في عملك.
 آخر حديث في هذا الباب من الترغيب والترهيب، إذا واحد قال لك: يا أخي هلكنا ثمان ساعات عمل، جردنا، سافرنا، بعنا، جئنا، جمعنا ديوننا، بضاعة سلمناها، عديناها للساعة الثانية عشر، حملناها، ما هذه الحياة ؟ ما هذا التعب ؟ لا تتأفف واسمع هذا الحديث:

(( من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له ))

( من الجامع الصغير: عن ” ابن عباس ” )

 لذلك ابتعد عن عمل فيه احتيال، فيه هيلمة، ” من أصاب مالاً في نهاوش أذهبه الله في نهابر “، كثير في أعمال تجد ما ساويت شيء، حجر أنفه: ما لنا نحسة، ما لنا شيء ؟ يظل يضيِّق، ويتم يحرجك حتى يهبج له هبجة، ابحث عن عمل شريف، ابحث عن عمل فيه جهد حقيقي، ابحث عن عمل في مسؤولية، و..

(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب، واستجملوا مهنكم ))

(مختصر تفسير ابن كثير: عن ” ابن مسعود “

 وكان سيدنا عمر يقول:

(( إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني ))

والصحابة كانوا رهبان في الليل فرسان في النهار، وأبلغ قول قاله النبي الكريم عندما دخل إلى المسجد في النهار ورأى رجل يصلي ـ اسمعوا ماذا أحكي ـ فسأله النبي:
ـ من يطعمك ؟
ـ قال له: أخي. لي أخ الحمد لله هو ينفق علي وأنا هنا أتعبد.
ـ قال له: أخوك أعبد منك.
 الذي يعمل وينفق أعبد منك لأن اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، إلا إذا كان في طلب علم، شريك اشتكى للنبي على شريكه، شريكه كان طالب علم يبدو مقصر قليلاً، فلما شكى النبي على شريكه طالب العلم قال له النبي ـ حالة استثنائية ـ:

(( لعلك ترزق به))

( من الجامع الصغير: عن ” أنس ” )

 لأن طالب العلم يطلب العلم لغيره، لينفع الناس جميعاً، أما المتعبِّد يبحث عن سعادته الشخصية، قال له: أخوك أعبد منك، أما للشريك طالب العلم قال له: لعلك ترزق به.
 انظروا مبادئ دقيقة جداً مرت اليوم عرضت: شرف العمل مهما كان عملك شاقاً، والله عزَّ وجل يوفق.
 واسمعوا مني توجيه أخير هو آية قرآنية وحيدة، ومعروفة مرت معكم..

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

(سورة هود: من آية ” 88 ” )

 لا في كساد أسواق، ولا في وضع سيئ، ولا في سوق مسموم، ولا في وضع عاطل، في إله بيده كل شيء إن وفقَّك سيكون في حكمة، وإن ما وفقك يكون في حكمة، وإن أعطاك يكون في حكمة، وإن منعك يكون في حكمة، أنت عليك أن تطيعه وأن تستسلم له، والتجَّار يحكوها وأسمعها منهم يقولون لك: مع الله ما في ذكي. أي أذكى تاجر يرده المهالك بذكائه، وإنسان بسيط الله رازقه أحياناً، لهذا قال الشاعر:

ولـو كانـت الأرزاق تجـري مـع  الحجى هلكن إذا من جهلهن البهائمُ
* * *

 لو القضية متعلقة بالذكاء يجب أن تموت البهائم من جوعهم، أما الله عزَّ وجل رازقهم أحسن منا.
 إذاً ملخص الدرس: أنت في الدنيا من أجل أن تمتحن، ولا تمتحن إلا بالعمل، والذي يدفعك إلى العمل مقهوراً ؛ إحساسك بالجوع، إلى الطعام والشراب، وإلى شريك حياتك، إذاً أودع فينا حب الطعام والشراب، الحاجة الأساسية إليه، وأودع فينا رغبةً في استكمال النصف الآخر من أجل أن نعمل، وإذا عملنا امتحنا، وإذا امتحنا استحققنا دخول الجنة أو دخول النار. والدليل الآخر أن كل ما في الأرض من ثروات، من طاقات لا ينتفع بها إلا بالعمل، أنت تجد الخيار جاهز أم يجب أن تزرعه ؟ فتحتاج أن تحرث الأرض، وتعشبها، وتسمدها، وتعقمها، تزرع البذرة بالكاسة فيها تورب، تنتظر أسبوع أو أسبوعان لتنبت، تنقلها للحقل، ترعاها، تسقيها، ترشها، تبخها، حتى تحمل، ثم تجمع الثمار، توضب، تبعث على السوق، في جهد بين المواد الأولية وبين استخدامها في جهد كبير، والعمل مثلما قلت لكم: دينك يظهر في عملك، وفي تجارتك، وفي زراعتك، وفي صناعتك، وفي وظيفتك، وفي عيادتك، وفي مكتبك، وفي تعليمك، وفي هندستك، وفي بيعك، وفي شرائك هنا يظهر دينك. والناس لا يدخلون في دين الله أفواجا.
 قال لي شخص قصة تأثرت لها كثيراً، قال لي: القصة من ستين سنة، كان والدي عليه دين لرجل من أهل الكتاب ـ نصراني ـ دين بالذهب، طلع قانون ما في تعامل بالذهب، فصار لو أدى الدين بالسوري أدى ربع الدين، فوالده ورع، راح دفع ما عليه لهذا النصراني بالذهب، النصراني ذهل، ما هذا ؟! هذا مسلم !! الدين ثابت ولكن القانون صار لمصلحته الوفاء بالسوري، هو رده ذهباً، هذا النصراني وهو على فراش الموت كان في سوريا ولبنان وحدة جمركية واحدة، كانت المصالح مشتركة جداً، وهذا النصراني كان وكيل شركة أجنبية كبيرة جداً اسمها (وستنج هاوس )، فلما قسموا الجمارك احتاج وكيل لسوريا، وهو على فراش الموت يقول: فلان الذي أدَّى ما عليه ذهباً أعطوه الوكالة، فذهب أولاده إليه، وعرضوا عليه العرض قال لهم: ما معي، قالوا له: ندفع لك نحن الرأسمال، ولكن هذه وصية أبينا أن تكون أنت الوكيل لهذه الشركة الضخمة، وكان هذا سبب غناه، الغنى الذي أنعم الله عليه.
 أرأيتم الوفاء، فديننا كله معاملة، ديننا كله صدق، ديننا كله وفاء، ديننا كله استقامة، فأنت لا ترقى عند الناس إلا باستقامتك، يجب أن يشار للمؤمن بالبنان، انظروا كرمه، شوفوا أدبه، شوفوا وفاءه، أما تلجئ الناس للقضاء وأنت مسلم ؟! وتقول: يوجد سبع أبواب لقصر العدل، ما هذا، أهو جهنم ليكون له سبعه أبواب ؟!

﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾

( سورة الحجر: من آية ” 44 ” )

 أي باب عجبك ادخل له، يدك وما تعطي، أهكذا المسلم ؟ أين الآية:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

( سورة الأحزاب: من آية ” 36 ” )

 والله في كل موقف من مسلم شيء لا يصدق، يكون مستأجر لبيت ثمنه ثمانِ أو تسع ملايين ويقول لصاحبه: هذا ليس لي هذا لك، تفضل هذا مفتاحه، فينظر صاحبه إليه متسائلاً: أهذا المستأجر مجنون ؟ طبعاً سلمه له لأنه ليس له، هذا المؤمن، أما أن تلجئ الناس للقضاء !! نحن ما مشكلتنا ؟ مشكلة ثقة، نحن فقدنا الثقة ببعضنا كمسلمين فانتهينا، أما لو كان الكلام كلام، والوعد وعد، والوفاء وفاء، لكنا في حال غير هذا الحال.
 فأخي، ملخص الدرس: أن دينك يظهر في عملك، نريد عمل متقن، نريد صدق بالكلام، وفاء بالوعد، لا غش، لا كذب، لا احتيال، لا تدليس، لا مواربة، قال لي أخ: عندي قطعة للسيارة كسدانة من خمس سنوات، وغالية كثير ولم تباع، جاء زبون يريدها، طلعت على السلم أأتي بها، وهو طالع قال له الزبون: أصلية ؟ قال لحاله البيعة فقست لأنها ليست أصلية، فقال له: إنها غير أصلية، فقال له: هاتها أريدها، كلمة واحدة قال له: غير أصلية فكانت حلال البيعة، لا تبع دينك ولا بمليون ليرة، ولا بمائة مليون، كن صادق، أما كذب، وغش، وتدليس، شيء غير معقول ولا بشكل.
 فنحن إن شاء الله إذا كان في لهذا الجامع هوية فهويته الاستقامة، إذا في هوية ديننا بعملنا، ديننا بعلاقاتنا اليومية، ديننا ببيعنا وشراءنا، هذا هو ديننا، حتى الناس يقولوا أن هذا الدين عظيم جداً، حتى الناس يشتهوا دينك، يشتهوا جامعك، يشتهوا ينضموا لكم، أما كذب وصلاة، احتيال وصلاة، هذه عملية تنفير، ففي بالإسلام داعية وفي منفر، مَن هو المنفر ؟ من له مظهر ديني، كهنوت، مظاهر صارخة ولا توجد استقامة.
 مرة شخص تركي اشترى كيلو لحمة عنده عزيمة، عنده قط فأكله، فجلس القط يعمل ورد، له ورد، يخرخر القط، تطلع فيه وامتلأ غيظ منه قال له: ” أوراد شوك، أمانات يوك “، الورد جيد ومظبوط، أما الأمانة غير موجود، نحن لا نريد مسلم مثل القط ؛ أوراد شوك أمانات يوك، نريد مسلم صادق المال تحت قدمه مهما بلغ، لا يكذب، ولا يغير، ولا يبدل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*