Islamic Ketab

السفارات المتبادلة بين الرسول والمشركين عند الحديبية

بعد قليل من بقاء المسلمين في منطقة الحديبية وجدوا أن قريشًا أرسلت لهم رسولاً, والرسول هو بُديل بن ورقاء الخُزاعي، وأرسلت قريش رجلا من خزاعة، وهي قبيلة قريبة من النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعروف أنها قبيلة حليفة لبني هاشم وبينهما علاقات طيبة، وهذا يدل على أن قريشًا لا تريد الحرب لأنها تعلم أنها في موقف ضعيف، ولم يرسلوا زعيمًا من زعماء قريش يهدد ويتوعد؛ لأن قريشًا تريد أن تعامل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بنوع من السلم والحسنى، وتريد أن تتجنب القتال قدر المستطاع. وهكذا نرى قريشًا العزيزة المنيعة القوية القبيلة الكبيرة في العرب المعظمة عند جميع قبائل العرب بلا استثناء، كيف تقبل هذه القبيلة الكبيرة بالجلوس مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- على طاولة مفاوضات ليس فيها نوع من الضغط المباشر على الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ وهذا يبين لنا أهمية النشاط العسكري في السنة السادسة من الهجرة، فقد أثر تأثيرًا كبيرًا على سلوك قريش وأضعف موقفها، وكان له تأثير معنوي واضح جدًّا على المسلمين. والمسلمون الآن على بعد عدة كيلو مترات من مكة المكرمة بهذه العزة، وقريش لا تستطيع أن ترسل زعيما من زعمائها لكي يتوسط عند المسلمين أن يعودوا، فأرسلوا بديل بن ورقاء الخزاعي للرسول -صلى الله عليه وسلم- ليمنعه قدر المستطاع من دخول مكة، فقريش لا تريد من الرسول -صلى الله عليه وسلم- دخول مكة المكرمة، لكن في الوقت نفسه لا تريد أن يحدث قتال مع المسلمين؛ لأنها أضعف من المسلمين، وإن كان المسلمون يسيرون إليهم بسلاح المسافر فقط، وليس بعدة الحرب، فوقف بديل بن ورقاء وحاول أن يهدد الرسول -صلى الله عليه وسلم- تهديدا خفيفا فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قريشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الْحَرْبَ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرَ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وإِلاَّ فَقَدْ جموا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقاَتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفْرَدَ سَالِفَتِي، وَلَيَنْفَذَنَّ أَمْرُ اللَّهِ”. يقول بديل بن ورقاء إنه ترك قريشًا ومعهم أبناؤهم وسلاحهم، وأن الحرب لن تكون سهلة. فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- “إنـا لـم نجـئ لقتـال أحـد، ولكن جئنا معتمرين”، فإن موقفنا القانوني والشرعي في الجزيرة العربية على الحق، فنحن لا نخالف قوانين الجزيرة العربية، وقوانين قريش نفسها تقضي بأن ندخل إلى مكة المكرمة لأداء العمرة إذا أردنا ذلك، بل تحمينا قريش بسيوفها، هذا هو القانون، وقريش هي التي تخالف الأعراف والقوانين المعروفة في ذلك الوقت، “وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم”، فقريش لن تحارب المسلمين لأنها أضعف من أن تحارب؛ لأنها عادت من الأحزاب في خزي واضح بعد أن فشلت في غزو المدينة المنورة. وقريش لم تحرك جيشًا واحدًا لقتال المسلمين في خلال السنة السادسة من الهجرة مع اقتراب المسلمين أكثر من مرة لحدود مكة المكرمة، فهذا واضح جدًّا والرسول -صلى الله عليه وسلم- يفاوض من هذا الوضع القوي، لذلك كلماته مسموعة وكلماته مرهوبة عند بديل بن ورقاء -رضي الله عنه- وعند القرشيين جميعًا؛ فلذلك قال هذه الكلمات: “إن قريشًا قد أنهكتهم الحرب وأضرت بهم”. وبدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعرض مطالبه علي الوسيط، حتى يخبر بها قريشًا، فقال -صلى الله عليه وسلم- “فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس”. فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يطلب من قريش أن تمادده أي تضع الحرب بينها وبينه مدة من الزمان، “ويخلوا بيني وبين الناس” أن أدعو الناس وهم يدعون الناس كل طرف يتصرف دون خشية من الطرف الآخر في أن يدخل معه في حرب. إن ما حدث في صلح الحديبية كان مطلبًا إسلاميًّا فإن الدعوة في الجو السلمي أكثر إنتاجًا وأعظم تأثيرًا في قلوب الناس عنها في جو الحروب؛ لذلك كان يطلب -صلى الله عليه وسلم- أن تضع قريش الحرب بينه وبينها مدة من الزمان يسمح له فيها بالدعوة فيها دون قتال. والعرض الثاني “فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا”؛ أي إن أرادوا الإسلام والدخول في نوره فليسلموا، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا، ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الكلام وهو يقف على بعد خطوات من مكة المكرمة وبسلاح المسافر، وهو في منتهى القوة، هذا هو الإسلام وهذه هي عزة الإسلام. أما العرض الثالث وإن أبوا إلا القتال، “فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره”. إنه قتال إلى النهاية، حتى الموت فنحن لا نخشى القتال بل نطلبه؛ لأنه في سبيل الله -عز وجل- تذهب الروح وتقطع السالفة؛ أي الرقبة هذا أمر لا نرهبه أبدًا. وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- عروضه الثلاثة واضحة أمام الوسيط فقال بديل بن ورقاء الخزاعي -رضي الله عنه- سأبلغهم ما تقول، وانطلق إلى مكة المكرمة وعندما ذكر بديل هذه الأمور لزعماء مكة كان المتوقع منهم أن يثوروا ويغضبوا كيف يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه الكلمات وهو على بعد خطوات قليلة من مكة المكرمة وهم في عقر دارهم ومعهم الجيوش، ولكن هذا لم يحدث فقد ألقى الله -عز وجل- الرعب في قلوب القرشيين؛ لأن من سنة الله -عز وجل- في كونه عندما يتمسك المسلمون بحقوقهم وعندما يرفع المسلمون رأسهم وعندما يعتز المسلون بدينهم فلا بد أن يكون هذا هو الموقف، وأمام هذه العروض قررت قريش إرسال رسول آخر؛ لأن قريشًا تحاول قدر المستطاع أن يتجنبوا اللقاء والصدام مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن كان بسلاح المسافر. قريش ترسل الحليس بن علقمة أرسلت قريش الحليس بن علقمة وهو من بني الحارس بن عبد مناة بن كِنانة من رءوس الأحابيش من رءوس القبائل الحليفة لقريش، ليس قرشيًّا، للمرة الثانية ترسل قريش زعيمًا ليس قرشيًّا، فهي لا ترسل أحد زعمائها حتى لا يتهور في قرار لا يستطيع القرشيون تحمله وعندما رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- الحليس قال: “هَذَا مِنْ قَوْمٍ يُعَظُّمَونَ الْبُدْنَ”. فهم قوم متدينون يحترمون قواعد البيت الحرام وأعراف البيت الحرام، و”يعظمون البدن” يعظمون من جاء إلى الحج أو العمرة في مكة المكرمة. فالرسول -صلى الله عليه وسلم- عاملَه بما هو أهله أرسل إليه البدن في وجهه، ليشعره أنه ما جاء إلى هنا إلا ليقوم بما يعظمه هو، بما يعظمه الحليس وقومه، أرسل البدن في وجهه واستقبله الصحابة وهم يلبون: لبيك اللهم لبيك، ولما رآهم الحليس قال: سبحان الله!! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فالرسول -صلى الله عليه وسلم- استطاع أن يكسب قلب الحليس بن علقمة حتى قبل أن يتم بينهما كلام، فهذا من بُعد نظر الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الحليس بن علقمة كافر وأبو سفيان كافر وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وكل هؤلاء كفار، ولكن كل واحد من هؤلاء له طريقة تعامل فهناك كافر غادر، وهناك كافر من نبلاء القوم، وهناك كافر لا ينظر إلى الدين أيًّا كان، وهناك كافر يعظِّم الدين وإن كان دينًا باطلاً. وهكذا كل واحد له طريقة في التعامل والرسول -صلى الله عليه وسلم- يتعامل مع الرجل على قدر علمه وقدر ظروفه، وهذه هي الحكمة في حقيقتها، رجع الحليس بن علقمة للمشركين يقول لهم: أدخلوه مكة يؤدي عمرته، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. ولكن قريشًا ضربت بكلامه عُرض الحائط، تأزم الموقف عند قريش وبحثت عن حل آخر. إرسال عروة بن مسعود فأرسلت قريش الرسول الثالث وبذلك نرى مدى الخزي والذل الذي تعيشه قريش فقد أرسلت وسيطًا ثالثًا وهو عروة بن مسعود الثقفي، وهو من قبيلة ثقيف، وتعتقد قريش اعتقادًا جازمًا أن المسلمين سيحترمون رأيه، ويسمعون كلامه؛ لأنه كان معظمًا في كل الجزيرة العربية، لدرجة أنه عندما نزل القرآن الكريم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبلغ به الناس وقف القرشيون وقالوا قولتهم الفاجرة قالوا: {وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا القُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزُّخرف: 31]. فهم يسحبون العظمة من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وينسبونها إلى أولئك الذين كثرت أموالهم وعظمت قوتهم في الجزيرة العربية، والقريتين هما مكة والطائف والرجل الذي يقصدونه من مكة هو الوليد بن المغيرة، والذي يقصدونه من الطائف هو عروة بن مسعود الثقفي هذا يدل على أن جميع أهل مكة، وجميع أهل الجزيرة العربية يدركون أن هذا الرجل رجلاً عظيمًا داخل الجزيرة العربية بكاملها؛ لذلك أرسلوه للتفاوض مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وطبعًا عروة بن مسعود لكونه عزيزًا، ولكونه سيدًا جاء بكلمات تهديدية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وفي نفس الوقت هو من ثقيف إن هدد ولم يقبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكلامه، لن يكون ذلك مؤثرًا على قريش، فذهب إليه، وقال له: أرأيت لو استأصلت قومك. وانظر إلى عروة بن مسعود الثقفي كيف يقلب الحقائق كيف يصور الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكأنه هو الذي يريد أن يقتل أهله وليس العكس، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أكثر من مرة أعلن أنه لم يجئ لقتال، وإنما جئنا للعمرة فقط، يريد حقًّا أن تهدأ قريش، ولكن قريش هم الذين يخالفون ويعتدون، ولكن قلب الحقيقة وتصوير المظلوم بأنه هو الظالم وتصوير الظالم بأنه معتدى عليه هذا أمر قد اعتدنا عليه كثيرًا في التاريخ، وتذكروا كلام فرعون لأهل مصر عن موسى -عز وجل-: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ} [غافر: 26]. فجاء عروة بن مسعود الثقفي فقال: أرأيت لو استأصلت قومك. لو دخلت وحاربت قومك وانتصرت واستأصلت قومك وقتلت كل من في مكة هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، والرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما جاء لأداء العمرة، وأتى بعدة المسافر، وإن استطاعت قريش أن تغلب المسلمين فماذا سيكون موقفك، وإن غلبة قريش على المسلمين ستكون هي النتيجة الحتمية، قال: فوالله إني أرى وجوهًا وأرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك. كلام طبعًا في منتهى سوء الأدب، يقصد أن الصحابة الذين معك مجرد أن تبدأ الحرب سيفرون ويتركونك وحدك، والذي تولى الرد هو آخر إنسان نتخيل فيه الغلظة وهو أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، كلنا نعرف الصديق في رفقه ولينه ورحمته -رضي الله عنه-، وقف الصديق وتكلم بشدة وغلظة وعنف لم نعهده فيه قبل ذلك, قال -رضي الله عنه- بعد أن سبَّ عروة بن مسعود سبة قبيحة مباشرة: أنحن نفر عنه؟! وعروة بن مسعود زعيم وعظيم كما ذكرنا من عظماء العرب، ومن المستحيل أن توجه له هذه السبة أو هذا القذف دون أن يحرك الجيوش والجموع، ولكنه قال كلمة تعبر عن مدى أخلاقيات بعض رجال العرب حتى في جاهليتهم قال: لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. يعني أنت كنت عملت فيَّ معروفًا، ولأجل هذا المعروف لن أجيبك على هذا السباب الذي وجهته إليَّ، وحفظ للصديق معروفه القديم. والحمد لله أنه كان هناك معروف من الصديق تجاهه؛ لأننا لا نريد الحرب، والرسول -صلى الله عليه وسلم- ما سعى لحرب مطلقًا في هذه الرحلة، وبفضل الله هدأ الموقف، وبدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتكلم من جديد، وأثناء هذا الكلام عروة بن مسعود الثقفي وهو يتحدث مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يمد يده إلى لحية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان يقف بجوار الرسول -صلى الله عليه وسلم- المغيرة بن شعبة بن مسعود الثقفي -رضي الله عنه-، ولما رأى المغيرة عمه عروة يمسك لحية الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمسك السيف، وأهوى بنعل السيف على يد عروة بن مسعود الثقفي؛ ليمنعها من الوصول إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وواضح أن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- واقف في هذا المكان بغرض مهم وهو إبراز معنى الولاء عند المسلمين، الولاء لله ورسوله والمؤمنين حتى وإن كان من يتفاوض مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو عم المغيرة بن شعبة، والمغيرة -رضي الله عنه- يسمع ويطيع للرسول الهاشمي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يسمع ولا يطيع لعمه الثقفي، منتهى الولاء والتجرد للإسلام والمسلمين، ووصلت الرسالة لعروة بن مسعود الثقفي، ونقلها حرفيًّا إلى قريش. ولا شك أنها كان لها أبعد الأثر في قلوب القرشيين، والموقف بكامله كان تعظيمًا وإجلالاً للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان إظهار هذه الأمور في ذلك الوقت، وفي هذه المحادثات مقصودًا لا شك فيه، وكان له أبلغ الأثر عند عروة بن مسعود. ونترك عروة بن مسعود يصور ذلك الأمر لما رجع لقريش ذكر لهم ما رأى من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال للقرشيين: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك على قيصر وكسرى والنجاشي، ووالله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا. وهذا الكلام كان له أبلغ الأثر عند القرشيين وعند عروة بن مسعود نفسه، ثم بدأ يذكر أفعال الصحابة، حتى قال: وإذا أمرهم -صلى الله عليه وسلم- ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون إليه النظر تعظيمًا له. ثم قال: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. ويأمر قريشًا أن يسمعوا لكلام الحبيب -صلى الله عليه وسلم- هذه الخطة التي ليس فيها قتال فاقبلوها، فهو لم يأت إلا لعمرة فدعوه. ها نحن نرى أثر تفاعل الصحابة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقوة الصف عند المسلمين وعزة المسلمين وهيبة المسلمين ورفعة المسلمين، هذه الأمور تتضح مع رؤية الصف متحدًا، وهزمت قريش هزيمة نفسية قاتلة، وبدأت تفكر تفكيرًا جديًّا في الصلح، ولكن ما هي بنود الصلح وما هي ظروف الصلح، فهذا ما سوف يفكرون فيه. وفي البداية كانت قريش لا تفكر تمامًا في الجلوس معه على طاولة مفاوضات؛ لأنهم لا يعترفون به أصلاً -صلى الله عليه وسلم-، فكيف يتفاوضون معه، أما الآن بعد هذه اللقاءات المتكررة وهذه العزة العظيمة للمسلمين، بدءوا يفكرون في الصلح. مجموعة من المشركين لا يريدون الصلح قامت مجموعة من شباب قريش المتحمسين المتهورين، وأرادوا أن يقطعوا كل طريق للصلح، فأخذوا أنفسهم وذهبوا يحاربون المسلمين ليقتلوا عددًا من المسلمين بحيث لا يكون هناك أمل في الصلح، فيفرض القتال فرضًا على المسلمين وعلى القرشيين، فقامت هذه المجموعة وهم حوالي خمسين من المشركين، وعلى رأسهم في بعض الروايات عكرمة بن أبي جهل وكان لا يزال مشركًا، وقاموا بالتسلل للمعسكر المسلم ليلاً. وسبحان الله! الرسول -صلى الله عليه وسلم- أبقى مجموعة من الحرس لحماية المسلمين وعلى رأس الحرس محمد بن مسلمة -رضي الله عنه-، اعتقل محمد بن مسلمة الخمسين مشركًا، ومع أن هؤلاء الأسرى الخمسين صيد ثمين وأنت على أبواب مكة المكرمة من الممكن أن تفاوض، ومن الممكن أن تحارب، ومن الممكن أن تقتلهم، ومع ذلك أطلقهم -صلى الله عليه وسلم- جميعًا منًّا بلا فداء؛ لإبداء حسن النوايا ولإبداء الرغبة في الصلح. هذه رغبة حقيقية لم نأت لقتال إنما جئنا معتمرين، ويريد -صلى الله عليه وسلم- الصلح، ويريد الهدنة لينتشر الإسلام في الجزيرة العربية في وضع سلمي، وقال الله -عز وجل- يصف هذا الموقف في كتابه الكريم: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الفتح: 24]. أي من بعد أن أسرتم الخمسين أسيرًا. أرسلت قريش ثلاثة رسل حتى الآن، والرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل مرة يبلغ الرسل بشيء حتى يخبروا به قريشًا، ولكن القرشيين حتى الآن لم يستمعوا لكلام أحد من الرسل، ومن الممكن ألا يبلغ الرسل الأمر بصورة مرضية، ربما يكون ذلك لسوء فهم قضية من القضايا؛ لذلك أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يرسل رسولاً من المسلمين يستطيع أن يصل بالمعاني التي يريدها الرسول وبالمطالب التي يطالب بها المسلمون وبالعروض الإسلامية بوضوح إلى قريش. الرسول يرسل سفيرا إلى مكة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكر في إرسال سفير إلى مكة ليوضح وجهة نظره أكثر، وفكر في عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو -رضي الله عنه- رجل قوي ومفاوض وله حكمة وله قوة وله رأى سديد، لدرجة أن كثيرًا من المرات كان القرآن الكريم ينزل موافقًا لرأيه -رضي الله عنه- فيما عرف في التاريخ بموافقات عمر -رضي الله عنه-، وكان عمر بن الخطاب في جاهليته سفيرًا لقريش؛ فإن الزعامة في قريش كانت موزعة على عشر قبائل كل قبيلة لها دور تقوم به، وكان دور بني عدي قبيلة عمر بن الخطاب كان دور السفارة في قريش، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقوم بهذا الدور. فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يرسل رسولاً قديمًا من رسل قريش تعترف به قريش كسفير فهذا الكلام في غاية الأهمية وله عمق استراتيجي واضح، فكانت وجهة نظر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إرسال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ولكن على غير المعتاد عمر بن الخطاب يعتذر للرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال: إن هذا في رأيه ليس هو الأفضل، وقال: يا رسول الله، ليس لي أحد من عديٍّ يغضب لي إن أوذيت؛ لأن قبيلة بني عدي ضعيفة من بطون قريش، ولو قتل عمر بن الخطاب لن يتحرك له أحد، ولكن أرسل عثمان بن عفان؛ لأنه من بني أمية وهي قبيلة قوية عزيزة وشريفة ولها تاريخ ولها جنود ولها رجال، والجميع يعمل لها ألف حساب، ثم هي قبيلة أبي سفيان زعيم مكة. ثم يقول: وإنه -أي عثمان بن عفان- مبلِّغ ما أردت. وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من سيرته قبل هذا الأمر، وبعد هذا الأمر لا يخشى الموت، فهو لم يقل ذلك الكلام ليتجنب إيذاء يخافه من قريش وغيرها، بل كان على استعداد تام على أن يبذل روحه في سبيل الله، ولكنه يريد لهذه المهمة أن تتم بنجاح. وكان عثمان -رضي الله عنه- الرجل المناسب في المكان المناسب؛ فقبيلة بني أمية قبيلة قوية ولها جنود يستطيعون أن يحموا عثمان بن عفان، فأبو بكر الصديق نفسه لو أرسل لا يؤدي المهمة كما يؤديها عثمان بن عفان، وكان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- مشهورًا بالحلم والحكمة، وهو رجل محبوب في داخل مكة المكرمة سواء في أيام جاهليته أو في أيام إسلامه؛ لأنه كان كريمًا واسع الكرم يعطي عطاء بلا حدود، فكل أهل مكة قد استفادوا منه، والناس كلها لن تؤذيه قدر المستطاع، وهو -رضي الله عنه- زوج ابنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أي أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يريد أن يضحي بزوج ابنته، فهو يريد فعلاً الصلح والهدنة، وبالفعل أرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عثمان بن عفان -رضي الله عنه-. هذا الموقف كان من أعظم مناقب عثمان بن عفان -رضي الله عنه- الذي أوكل إليه أداء هذه المهمة العظيمة الخطيرة، والتي تعبر عن مدى حكمة وثقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عثمان -رضي الله عنه- وثقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في رأيه وفي اختياره وفي تحاوره وفي تفاوضه مع المشركين، وينفي عنه كل الشبهات التي قيلت في حقه بعد ذلك من المغرضين ومن أعداء المسلمين. خروج عثمان بن عفان لعرض مطالب المسلمين وخرج عثمان بن عفان -رضي الله عنه- برسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى قريش والرسالة محملة بثلاث أمور واضحة؛ أوَّلها أن يخبر قريشًا أن المسلمين لم يأتوا إلا عمارًا، وأنهم ما أرادوا القتال في هذه الرحلة إلى مكة المكرمة، وأنهم سيقبلون أي خطة تعظم فيها قريش حرمات الله -عز وجل- وهذا أول أمر. والأمر الثاني أن يدعو قريشًا إلى الإسلام، سبحان الله! حتى في هذا الموقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- يريد هداية قريش إلى الله -عز وجل-. والأمر الثالث أن يأتي بعض المستضعفين من المسلمين في مكة، وهم الذين لم يستطيعوا لضعفهم أن يهاجروا إلى المدينة المنورة، يذهب عثمان -رضي الله عنه- إلى هؤلاء سرًّا ويتحدث إليهم لتبشيرهم أن الله -عز وجل- سيعز المسلمين يومًا حتى لا يستخفي أحد بالإسلام في مكة، وهذه بشارة نبوية ومكانها في هذا التوقيت في غاية الأهمية. تخيَّل أنت موقف المستضعفين في مكة المكرمة وهم يرون قريش تحاصر الأحزاب وتقاتل المسلمين مرة بعد مرة، والآن يمنعون المسلمين من دخول مكة، فهذا الوضع قد يؤثر سلبًا على نفسياتهم، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يهتم جدًّا بنفسيات هؤلاء مع أنهم ليسوا معه في دولته في هذه اللحظة، ولكنه يهتم بكل رعايا الدولة الإسلامية، كلٍّ بحسب ظروفه ومكانه، فكانت هذه هي مهمَّة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-. وبالفعل ذهب عثمان بن عفان إلى داخل مكة ليؤدي هذه المهمة العظيمة ومع أنه رسول، والرسل عادة في عرف هذه البلاد وغيرها لا تقتل إلا أنه لم يعتمد على هذا الأمر ولكنه أخذ بكامل الأسباب لكي لا يحدث له مصاب لكي تتم له المهمة على الوجه الأكمل، وأول شيء فعله بعد دخوله مكة طلب إجارة أبّان بن سعيد بن العاص الأموي، وأبان رجل قوي وفيه لين وفيه رحمة، وعلاقته قوية بعثمان بن عفان -رضي الله عنه- وسيدافع عنه بصلة الرحم وبصلة القرابة والمعرفة وبصفة اللين التي يتميز بها أبان بن سعيد، وفوق كل هذا هو توفيق رب العالمين -عز وجل-. وأبان بن سعيد قبل قدوم الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الحديبية كان في رحلة تجارية إلى الشام وهناك في الشام التقى مع راهب من النصارى، وهذا الراهب ذكر له أن هذا الوقت سيظهر فيه رسول في بلادهم، سبحان الله! فأبان بن سعيد ممهد نفسيًّا بأن هذا الذي يقف خارج مكة رسول من عند الله -عز وجل-، وأن عثمان بن عفان رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا الإحساس جعله يدافع عن عثمان بن عفان بكل طاقته، فاستطاع عثمان أن يؤدي المهمة على الوجه الأكمل. فدخل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في عزة، دخل سفيرًا للرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي يقف مع ألف وأربعمائة صحابي خارج مكة المكرمة يطلب الدخول لأداء العمرة، وعرض مطالبه وعرض عروضه بمنتهى القوة أمام قريش، وقريش استقبلته استقبال السفراء، وسمعت منه وعرضت عليه ما حاولت أن تمنع المسلمين منه منعًا باتًّا، عرضت عليه أن يقوم بالعمرة وأن يطوف حول البيت الحرام. وتخيل مدى اشتياق عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بالطواف حول البيت الحرام، فهو لم يطف في هذه السنوات الست السابقة، ومع هذا الاشتياق الذي كان عند عثمان بن عفان ومع هذا الأجر العظيم في الطواف حول البيت الحرام، إلا أن عثمان بن عفان قال قولاً صارمًا واضحًا لقريش، عبر عن مدى ولاء المسلمين لقائدهم قال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فهو موقف من أعظم مواقف عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ومن أدقها فهمًا وفقهًا لعثمان -رضي الله عنه-، فهزمت قريش هزيمة نفسية عندما رأت موقف عثمان الرائع المحب لقائده -صلى الله عليه وسلم-، وعرفت قريش أن الصف المسلم قوي صلب ولا يمكن أن يخترق. إنه موقف عظيم هزَّ قريشًا، وبدأت قريش بعد هذا الموقف تفكر تفكيرًا عمليًّا سريعًا في أداء الصلح مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>