islamic

دار الحديث الأشرفية

إن الآثار العمرانية الإسلامية لا يمكن التعامل معها بالجفاف العاطفي الذي تُعامل به آثار الأقوام البائدة -كالفراعنة والكلدانيين والآشوريين والفينيقيين واليونان والفرس الرومان- رغم التقدير المادي المرتفع جدا الذي تحظى به، فالآثار الإسلامية لا تزال بوظائفها -وإن فرطت يد الإهمال والتضييع بكثير منها، وأظهر ما يكون ذلك في المساجد التي تزجر الشريعة الإسلامية عن تعطيلها وصرفها عن وظائفها، وهذا أحد الأسباب الرئيسة في بقاء تلك الأوابد الأثرية، والمحافظة على وجودها المعنوي بل الحسي أيضا، وأما سائر الآثار الإسلامية الأخرى كالقلاع والمارستانات والخانات، فضلا عن المدارس المتنوعة فقد اندثر كثير منها، وأما ما بقي منها فقد تعطلت أغلب وظائفها بعد التغيرات التي حاقت بالعالم الإسلامي، وأمست تلك المعالم الحضارية من جملة التراث الذي أعرض عنه أصحابه، فلا يربطهم به إلا الإعجاب بروعة التخطيط والهندسة وإتقان البناء والزخرفة ! معلم حضاري للأمة في مسيرة ثمانية قرون (800 عام) دار الحديث الأشرفية السلطانية بدمشق معلم حضاري متميز، يتصل به الحاضر والماضي، وهو من الآثار الإسلامية التي لا تزال تؤدي بعض وظائفها التي أنشأت لأجلها، وإن كانت تقوى تارة وتضعف تارة، وتنشط مرة وتمرض أخرى. في دار الحديث الأشرفية درّس أساطين العلماء والأئمة، وفي دار الحديث صنفت كتب عظيمة لا يستغني عنها عالم من علماء الأمة. ومن دار الحديث انطلقت النهضة العلمية بدمشق في العصر الحديث، وفي دار الحديث سجل التاريخ كثيراً من مواقف العزة والإباء، وفي دار الحديث خطط شيخها للثورة السورية الكبرى. دار الحديث الأشرفية شاهد عدل من الشهود الكثيرين على عصر زاهر في دمشق افتتحه الملك العادل نور الدين زنكي رحمه الله تعالى بدخوله دمشق سنة 549 هـ وبنائه كثيراً من المدارس، ومن أهمها دار الحديث النورية بناها لشيخه الإمام الحافظ ابن عساكر مؤرخ دمشق، وهي أقدم دار حديث في العالم الإسلامي، واستن بسنته الملوك الأيوبيون من بعده، وكان من أشدهم حباً للعلم وأهله الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح موسى ابن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب، والعادل هو شقيق الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمهم الله أجمعين. بناء دار الحديث الأشرفية اشترى الملك الأشرف داراً وحماماً لصارم الدين قيماز جوار قلعة دمشق من جانبها الشرقي، فهدمهما، وأقام مكانهما دار الحديث الأشرفية الجوانية، ومسكناً لشيخها بجوارها القبلي، وهي ثاني دار تبنى للحديث في العالم، وتم البناء في سنتين، واحتفل الملك الأشرف بافتتاح دار الحديث في ليلة مباركة، ليلة النصف من شعبان سنة 630 هـ، وعهد بتدريسها للإمام الحافظ الحجة أبي عمرو ابن الصلاح الشهرزوري، وهي وقف على المحدثين من الشافعية، وبعد شهر من افتتاحها ورد دمشق استجابة لطلب الملك الأشرف الإمام المسند الكبير الحسين بن المبارك الزبيدي البغدادي، فأنزله الأشرف في دار الحديث فازدحم الناس عليه، وسُمع منه (صحيح البخاري) في أيام معدودة من شهر شوال سنة 630 هـ، عاد بعدها الزبيدي إلى بغداد وتوفي بها سنة 631 هـ رحمه الله تعالى. أما الملك الأشرف فقد وافاه أجله رحمه الله تعالى في قلعة دمشق رابع المحرم سنة 635 هـ، وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله، ودفن قريباً من عمه الناصر صلاح الدين، ولا يزال قبره في حديقة الكلاسة يجهله الكثيرون محفوفا بدثار من الإهمال. وآثار الأشرف في دمشق كثيرة: منها جامع التوبة، وجامع جراح، ودار الحديث الأشرفية البرانية بالصالحية من سفح قاسيون، وهي وقف على الحنابلة، وحالتها الحسية حسنة جدا، لكنها خراب من وظيفتها العلمية. الأثر النبوي في دار الحديث الأشرفية وقد وضع موسى الأشرف بدار الحديث نعلي النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوصى به لموسى الشرف النظام بن أبي الحديد التاجر بدمشق، لأن الملك الشرف كان قد طلب النعل الشريف من النظام ليجعله في دار الحديث فأبى عليه، ولعدل موسى الأشرف لم يأخذ النعل المذكور قسرا عنه، فلما حضرت الوفاة النظام بن أبي الحديد أوصى لموسى الأشرف بالنعل فجعله في دار الحديث في الجدار القبلي في صندوق خشبي فوق المحراب. وفي ذلك يقول السبكي: وفي دار الحديث لطيف معنى *** أصلي في جوانبها وآوي عساني أن أمسّ بحُرِّ وجهـي *** مكانا داسه قدم النــواوي أوقاف دار الحديث الأشرفية ولا بد لنا بعد هذا أن نذكر باختصار وترتيب أهم ما تضمنه كتاب الوقف لدار الحديث الأشرفية، وهو وثيقة تاريخية تشهد للأمة أنها في عصر ذهبي، وكان الآخرون يخبطون خبط عشواء في ظلام دامس، وقد حفظ لنا نص هذه الوثيقة الإمام السبكي في فتاويه. فأوقافها العقارية: – مبنى الدار الشرقي قلعة دمشق. – سكن الشيخ المدرس. – عشر حوانيت جوار الدار. – حجرة في غربها. – فرنان جوار الدار. – اصطبل جوار الدار. قيسارية العادل السفل والعلو. – جميع الساباط قبالتها. – حانوتان وحجرة جوار كنيسة مريم. – أربع حصص في أربع حوانيت بباب البريد. – حصتان في حانوتين في الحريريينز. – حصة في حانوت بالحدادين. ثلث قرية حزرما. وذلك وقفاً مؤبداً، ونقش بعض ذلك في الجدار الشرقي لمدخلها. واجبات الناظر بدار الحديث – عمارة الدار، وعمارة ما هو موقوف عليها وعلى أهلها. – توفير احتياجات الدار من زيت وشمع وقناديل ومصابيح وتعاليق وحصر وبسط وآلات التنظيف. – توفير احتياجات الأرض الموقوفة على الدار من تقوية فلاح وإقراضه وشراء دواب وآلات. – ضبط ما يستجد من أوقاف وتعاهد كتب الوقف والعناية بها. – صرف الاستحقاقات الوقفية إلى أهلها. – إذا اقتضت المصلحة أمراً دينياً يناسب مقاصد دار الحديث زائداً على ما نص عليه في كتاب الوقف فللناظر أن يصرف من غلة الوقف ما يليق بالحالة. – وللناظر إن فضل من غلة الوقف شيء أن يشتري ملكاً يقفه على وظائف الدار، وله أن يستفضل شيئاً لذلك، وإن رأى أن يصرف الفاضل إلى أهل الدار فله ذلك. الوظائف العلمية في دار الحديث الأشرفية تنوعت الوظائف العلمية في دار الحديث الأشرفية، فمنها: الإمام: ويصرف له في الشهر ستون درهماً، وعليه القيام بوظيفة الإمامة في الصلوات الخمس والتراويح، وعليه عقد حلقة الإقراء والتلقين، وشرطه في هذا أن يكون حافظاً للقراءات السبع عارفاً بها، وللشيخ الناظر أن يجعل حلقة الإقراء إلى شخص غير الإمام، ويوزع المقدار المذكور عليهما على حسب ما يرى فيه. المؤذن: وله في كل شهر عشرون درهماً. المحدِّث: ويشترط فيه أن يكون من أعلم الناس بالحديث بدمشق من الشافعية، وأن يكون صاحب رواية ودراية، فإن لم تجتمعا في الشخص؛ فيقدم صاحب الرواية، واشترط الملك الأشرف أن يليها الإمام الجليل أبو عمرو بن الصلاح، وأن يُصرف له في كل شهر تسعون درهماً، ولنسله خمسون درهماً كل شهر إلى أن ينقرض آخرهم. خادم الأثر الشريف (نعل الرسول صلى الله عليه وسلم): ويصرف له في كل شهر أربعون درهما، وهو الحاج ريطار غلام الله، ويجري بعده على نسله، فإذا انقرضوا عاد ذلك إلى سائر مصارف الوقف وجهاته. القرَّاء: ويصرف كل شهر مائة درهم إلى عشرة أنفس من قراء السُّبع، لكل واحد عشرة دراهم. قارئ الحديث: لكل مشتغل بالحديث ثمانية دراهم، ومن زاد اشتغاله زاده الناظر، ومن نقص نقصه. المشتغلون بالحديث: لكل مشتغل بالحديث ثمانية دراهم، ومن زاد اشتغاله زاده الناظر، ومن نقص نقصه. المستمعون للحديث: لكل من يستمع الحديث في دار الحديث أربعة دراهم في الشهر أو ثلاثة، ومن ترجح منهم زاده الناظر، ومن كان فيه نباهة جاز إلحاقه بالثمانية. النابغون: ومن حفظ من الطلاب كتاباً من كتب الحديث فللشيخ أن يخصه بجائزة، ومن انقطع منهم إلى الاشتغال بالحديث، وكان ذا أهلية يرجى معها أن يصير من أهل المعرفة فللشيخ أن يوظف له تمام كفاية أمثاله بالمعروف، ويصرف في شراء ورق وآلات النسخ من حبر وأقلام وسائر أدوات الكتابة مما تقع به الكفاية لمن ينسخ الحديث أو شيئاً من علومه أو القرآن العظيم أو تفسيره، ويصرف إلى من يكتب في مجالس الإملاء، وإلى من يتخذ لنفسه كتاباً أو استجازة، ولا يعطي من ذلك إلا لمن ينسخ لنفسه لغرض الاستفادة والتحصيل دون التكسب والانتفاع بثمنه. العلماء الزائرون: إذا ورد شيخ له علو سماع يُرحل إلى مثله فله أن ينزل بدار الحديث ويعطي في كل يوم درهمين، فإذا فرغ أعطي ثلاثين ديناراً -كل دينار بسبعة دراهم- هذا إذا ورد من غير الشام، فإن كان مقيماً في الشام فله دون ذلك على ما يراه الشيخ الناظر، وإن كان مستوطناً بدمشق واقتضت المصلحة استحضاره في الدار لاستماع ما عنده من العالي فللناظر أن يعطيه ما يليق بحاله من عشرة دنانير فما دون ذلك. ومن قام بشرط جهتين وقدر على إثباته بهما فللناظر أن يجعل له ذلك. الوظائف الإدارية في دار الحديث الأشرفية أما الوظائف الإدارية: فهي عدة وظائف للقيام بشؤون الدار على أكمل وجه، فمن ذلك: خازن الكتب: ويصرف له ثمانية عشر درهما في كل شهر، وعليه الاهتمام بترميم الكتب، وإعلام الناظر ليصرف فيه من غلة الوقف ما يفي بذلك، وكذا إذا مست الحاجة إلى تصحيح كتاب أو مقابلته، وللناظر أن يستنسخ أو يشتري ما تدعو الحاجة إليه من الكتب أو الأجزاء ويوقفه على الدار. مرتب النقيب: ويصرف له ثمانية عشر درهما. البواب: وله خمسة عشر درهما. قيِّمان: ولهما ثلاثون درهما. ومن قام بشرط جهتين وقدر على إثباته بهما فللناظر أن يجعل له ذلك. وعلى من تجري عليهم استحقاقات الوقف أن يجتمعوا كل خمس ليال، وللناظر أن يتخذ لهم طعاما، وله أن يجعل بدل الطعام كل ليلة [مائة]. وللناظر أن يشتري ما يليق من شمع وعود يبخر به، وكيزان وثلج ونحو ذلك. وللناظر أن يتخذ من شهر رمضان طعاما، أو يفرق عوضا عنها ألف درهم بالسوية على جميع من في الدار من الساكنين إذا اتسعت غلة الوقف لذلك. إذا انقضت غلة الوقف عن تغطية الاستحقاقات: فعلى الناظر أن يجعل النقص في الأمور الزائدة دون الأصلية المهمة، وإن زاد النقص تخرف بحسب ما يراه أصلح. ولم ينس الملك الأشرف الإحسان إلى الجوار، فشرط أن يصرف كل سنة من غلة ثلث حزرما ألفا درهم في مصالح دار الحديث النوريّة، والقائمين بمصالحهما، والمشتغلين بالحديث من أهلها. هذا هو كتاب الوقف أو النظام الداخلي لدار الحديث الأشرفية، ونلحظ فيه جلياً أنه لا يتدخل في الخطة الدراسية؛ لأن النجاح في ذلك يرجع إلى الشيخ المدرس أولاً، إضافة إلى أن النمط الدراسي لم يكن بالطريقة الآلية التي نمشي عليها الآن. أشهر من وليَ التدريس بدار الحديث الأشرفية ابن الصلاح فأول من ولى التدريس بدار الحديث الأشرفية: الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان ابن عبد الرحمن الكردي الشهرزوري الموصلي المعروف بابن الصلاح، ولي الدار لما أسست سنة 630 هـ، واستمر في ذلك إلى وفاته بمنزله بدار الحديث صباح الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة 643 هـ، ودفن بمقابر الصوفية. وقد أملى بدار الحديث الأشرفية كتابه (علوم الحديث) المعروف بمقدمة ابن الصلاح، وهذا الكتاب أساس علوم الحديث في العصور التي تلته. أبو شامة الإمام الحجة شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، شارح (الشاطبية)، ومختصر (تاريخ دمشق) لابن عساكر، وله كتاب (الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز)، و (الروضتين في أخبار الدولتين) وغير ذلك، إلى أن توفي في رمضان سنة 665 هـ. الإمام النووي الإمام الرباني الفقيه الحافظ الحجة شيخ الإسلام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، محرر مذهب الإمام الشافعي، صاحب التصانيف النافعة التي سارت بها الركبان، وأقرأ فيه (الصحيحين)، و(سنن أبي داود)، و(الرسالة القشيرية)، و(صفوة التصوف)، و(الحجة على ترك المحجة)، و(شرح معاني الآثار) وغيرها. ولم يتناول من رواتبه في مشيخة دار الحديث شيئاً، بل اشترى بذلك كتباً وقفها … ثم توفي سنة 676 هـ، عن خمسة وأربعين عاماً. الإمام الفارقي خطيب دمشق الإمام زين الدين عبد الله بن مروان الفارقي، وهو الذي عمّر دار الحديث الأشرفية سنة 702 هـ بعد خرابها لما دخل التتار دمشق، ولا يزال اسمه منقوشاً على لوحة حجرية مثبتة فوق باب دار الحديث، وتوفي رحمه الله سنة 703 هـ. الإمام المزي وممن وليها وليها أحق الناس بها وأولاهم، شيخ الحفاظ وأعلاهم، الإمام الحجة القدوة شيخ المحدثين جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي المزي سنة 717 هـ، وصنف كتابين عظيمين لم يصنف مثلهما: (تهذيب الكمال في أسماء الرجال)، و(وتحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)، لا يستغني عنهما مشتغل بالحديث، حدَّث المزي بتهذيب الكمال في دار الحديث الأشرفية، وسمعه منه أجلاء العصر، وبقي يدرس في دار الحديث إلى أن توفي في منزله بها ثاني عشر صفر سنة 742 هـ، ودفن بمقابر الصوفية التي تقوم فوقها الآن مباني وحدائق جامعة دمشق! تقي الدين السبكي وابنه تاج الدين الإمام شيخ الإسلام قاضي القضاة خطيب دمشق تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي، واستفتح تدريسه بالحديث القدسي المسلسل بالشامين: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظلموا … )، وسكن في دار قاعة الحديث. توفي السبكي بمصر سنة 756 هـ رحمه الله تعالى. ثم وليها ابنه قاضي القضاة خطيب دمشق الإمام تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي السبكي، صاحب كتاب (طبقات الشافعية الكبرى) وغيره، وتخلل ولايته انقطاعات، ثم توفي بدمشق شيخاً لدار الحديث سنة 771 هـ رحمه الله تعالى، ودفن بسفح قاسيون. الإمام ابن كثير الإمام الجليل في التفسير والحديث والفقه والتاريخ الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي، صاحب (التفسير) الذي سارت به الركبان، توفي رحمه الله سنة 774 هـ، ودفن بمقابر الصوفية، مكث ابن كثير في تدريس دار الحديث إلى ربيع الآخر سنة 772 هـ. ابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث الإمام الحافظ شيخ الإسلام أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852 هـ رحمه الله، وليها سنة 836 هـ أقام بدمشق مائة يوم، سمع فيها ألف جزء حديثي. ابن ناصر الدين الإمام الجليل الحافظ الحجة محمد بن أبي بكر بن عبد الله القيسي، المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي، فعاد إلى الدار شبابها ونضرة وجهها، وأملى فيها دروسه في تفسير قوله تعالى: {قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ} [آل عمران:164]، وافتتح تدريسه بحضرة أمير المؤمنين في الحديث شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني، وله تصانيف كثيرة نافعة. توفي شهيداً سنة 842 هـ رحمه الله، ودفن بمقبرة باب الفراديس. من أشهر الأعلام والمدرسين والمقرئين وممن وليها كذلك من الأعلام: الإمام الزملكاني (ت 727هـ) والإمام الشريشي (ت 718هـ)، وقاضي القضاة بهاء الدين السبكي أخو تاج الدين (ت 773هـ)، والإمام البلقيني (ت 805هـ)، وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الحسباني (ت 815هـ). وممن درَّس فيها من الأعلام: خطيب دمشق العلامة شهاب الدين أحمد بن أحمد الطيبي (ت 979هـ)، والعلامة الشمس محمد بن محمد الميداني (ت 1033هـ)، والعلامة عبد القادر بن مصطفى الصفوري (ت 1081هـ)، والعلامة الشيخ ابن عبد الهادي العمري (1100 هـ). وإلى جانب تدريس الحديث بها كانت تعقد حلقات الإقراء، ويتولاها كبار المقرئين، فمنهم: ابن فلاح الإسكندري المتوفى سنة 702 هـ، وأحمد بن عبد الرحمن البعلبكي ابن النقيب المتوفى سنة 764 هـ، ومحمد بن أحمد اللبان المتوفى سنة 776 هـ، وأحمد بن إبراهيم المنبجي ابن الطحان المتوفى سنة 782 هـ، وشيخ المقرئين مقرئ الممالك الإسلامية شمس الدين محمد ابن الجزري صاحب (النشر) و (الطيبة) و (الجزرية) المتوفى بشيراز سنة 833 هـ، رحمهم الله تعالى أجمعين. ثم دخلت كتائب التتار دمشق سنة 803 هـ وعاثت في الأرض الفساد، ونال دار الحديث وغيرها عظيم الأذى. دار الحديث الأشرفية في القرن الثالث عشر الهجري ثم تدهورت أمور دار الحديث الأشرفية، وتلاشى أمرها إلى أن صارت بعد الـ1200هـ في حالة محزنة، واستولت أيدي المختلسين على دار مدرسها، إلى أن آلت إلى امرأة، وكان ذلك بعد الـ1260هـ بقليل، فأخذت العالم الأديب الفاضل الشيخ يوسف المغربي نزيل دمشق حمية إيمانية وجد في تخليص الدار من مختلسيها، فسارعت المرأة وأجرت الدار لخمار طلياني يدعى يانكو، وجعلها حانة للمسكرات، ثم تجرأ فصارت يخزن دنان الخمر في مسجد المدرسة، فرفع الشيخ الأمر إلى الحاكم فحكم له، لكنه لم يجد مسعفاً، وحصل للشيخ معاكسات من الوالي، وضاق به الحال، وخرج من دمشق إلى القسطنطينية، واستحل على براءة سلطانية بخطبة دار الحديث وتدريسها ونظرها وإمامتها، ولم يكن في الدار خطبة قبل ذلك، والتقى بالأمير المجاهد عبد القادر الجزائري وشرح له أمر دار الحديث، فلما سكن الأمير دمشق اشترى الدار الموقوفة على الحديث سنة 1272هـ وأمر بترميم المسجد والمدرسة على نفقته، وحُلب لها محراب جامع الأفرم بالصالحية اشترى شراءً فهو فيها الآن. وفي أول يوم من رجب سنة 1274 هـ افتتح الأمير التدريس بدار الحديث بصحيح الإمام البخاري، بحضرة الشيخ يوسف المغربي رحمه الله، وختمه آخر يوم من رمضان، وعادت الحياة إلى دار الحديث الأشرفية من جديد، وتوفي الشيخ يوسف جزاه الله عن دار الحديث خيراً سنة 1279 هـ، رحمه الله تعالى، ثم توفي الأمير بعد ذلك سنة 1300هـ رحمه الله. دار الحديث الأشرفية في القرن الرابع عشر الهجري ثم ولي دار الحديث شيخ دمشق بلا منازع المحدث الأكبر تحت قبة النسر الشيخ محمد بدر الدين بن يوسف الحسني، وبه عادت شهرة دار الحديث وذاع صيتها في الآفاق من جديد، وكانت غرفة الشيخ في دار الحديث حمى يلجأ إليه المستضعفون، وتقف على أعتابه سطوة العتاة والجبارين. في دار الحديث كان الشيخ يمضي سحابة نهاره في التدريس والإفادة، وفي دار الحديث كان الشيخ يخطط للثورة السورية الكبرى بصمت واحتساب. ثم توفي رحمه الله سنة 1354هـ. وكانت دار الحديث في زمنه عامرة بمن ينزلها من أعيان العلماء، فمنهم: الشيخ عبد القادر بدران، ومنهم: الشيخ محمود العطار وغيرهم. ومن علماء دار الحديث في تلك المرحلة: رئيس رابطة العلماء العلامة الشيخ أبو الخير الميداني (ت 1830هـ)، والشيخ الطيب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الشيخ محمد رفيق السباعي (ت 1403هـ)، والمدير العام لدائرة الفتوى العامة والتدريس الديني، الأستاذ الشيخ محمد فخر الدين الحسني الطيب دار الحديث وعمدة معهدها، حفيد المحدث الأكبر (ت 1407هـ). خاتمة فهذه مسيرة القرون الثمانية تشهد لهذه الأمة بالخيرية ولو دب إليها الضعف في بعض أزمانها، وحبذا لو وضعت في داخل دار الحديث الأشرفية أو في خارجها لوحة متوسطة تذكر الأجيال بأعلام أمتهم ممن مروا بهذه الدار، بل حبذا وحبذا لو أقيم في دار الحديث الأشرفية مجلس عام للرواية والتحديث يعيد إلى الأمة ذاكرتها، ويصدقها الخبر عن تاريخها. دار الحديث الأشرفية شاهد ناطق لمعنى قوله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد:17]، وقوله صلى الله عليه وسلم: “نضر الله امرءًا سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>