الشيخ كمال الدين بن همام
هو العالم العلامة وحيد دهره وفريد عصره الشيخ كمال الدين بن الهمام السيواسى الحنفى، علم من أعلام الفقه فى القرن التاسع الهجرى وصاحب المصنف الشهير فى الفقه الحنفى المعروف (بفتح القدير للعاجز الفقير).
ولد شيخنا بالإسكندرية عام 790 هـ ولما مات أبوه وهو ابن عشر سنين تكفلت بأمره جدته لأمه وكانت مغربية خيره حافظة لكتاب الله فقدمت به إلى القاهرة لتلقى العلوم الدينية فنال إعجاب شيوخه لما اتصف به من ذكاء مفرط وعقل تام، يقول السخاوى فى الضوء اللامع (وكان لوفور ذكائه إذا استشعر شيخه بمجيئه قطع القراءة).
وما زال الكمال فى اشتغاله بالمعقول والمنقول حتى فاق فى زمن يسير جميع أقرانه وأشير إليه بالفضل التام والفطرة المستقيمة، يقول شيخه البرهان الأبناسى (لو طلبت حجج الدين ما كان فى بلدنا من يقوم بها غيره).
كانت بدايات الكمال بن الهمام تدريس الفقه فى مدرسة المنصور قلاوون بشارع بين القصرين وكان درسه الأول حول الآية الكريمة (يؤتى الحكمة من يشاء) فى حضور شيوخه، يقول السخاوى فى الضوء اللامع: "امتنع الكمال من الجلوس بصدر المجلس أدباً رغم إلحاح الحاضرين عليه فى ذلك وأظهر فى درسه عن يد طولى وتمكن زائد فى العلوم وأقر الناس بسعة علمه وأذعنوا له حتى قال شيخه البساطى للناس دعوه يتكلم ويتلذذ بمقاله فإنه يقول ما لا نظير له".
وفى عام 829 هـ عينه السلطان الأشرف برسباى شيخاً على مدرسته الأشرفية بشارع بين القصرين فباشرها الكمال بشهامة وصرامة واشتهر أمره وعظم ذكره، واستمر الكمال شيخاً على المدرسة الأشرفية إلى عام 833 هـ حتى عزل نفسه منه بإرادته لتدخل الأمير جوهر اللالا فى شئون المدرسة وعن ذلك يقول السخاوى فى الضوء اللامع، وحضر الكمال درس التصوف وقت العصر على العادة وخلع طيلسانه ورمى به ونادى: اشهدوا على أننى عزلت نفسى من هذه المشيخة وخلعتها كما خلعت طيلسانى هذا، ولما بلغ ذلك السلطان برسباى شق عليه وراسله يستعطف خاطره ليعود فلم يجب أما جوهر اللالا فقد خشى غضب السلطان عليه بسببه فجاء للشيخ الكمال حاسر الرأس ذليلاً فقبل قدمه معتذراً فأجابه الكمال: إننى لم أتركها بسببك بل غيرة لدين الله تعالى.
كان لابن الهمام نصيب وافر مما لأرباب الأحوال من الكشف والكرامات، وكان قد تجرد أولاً بالكلية فقال له أهل الطريق: ارجع فالناس بحاجة لعلمك، ولم يزل شيخنا على ما منحه الله تعالى من صفات الكمال وكمال الصفات حتى عام 847 هـ حين أقره السلطان الظاهر حمق شيخاً على مدرسة الامير شيخوه بشارع الصليبة فباشرها الكمال بحرفه وافرة وعمر أوقافها ولم يحاب أحداً ولو عظم، وفى سنة 860 هـ خرج الكمال بن الهمام للحج وجاور الحرمين مدة وشرب من ماء زمزم وعاد منها وهو متوعك إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى يوم الجمعة السابع من رمضان سنة 861 هـ ودفن أسفل جبل المقطم بجوار ضريح الصوفى الكبير سيدى بن عطاء الله السكندريى بناء على وصيته، وعن ذلك يقول المناوى فى الكواكب الدرية: "زار الشيخ الكمال بن الهمام قبر بن عطاء الله السكندرى فقرأ عنده سورة هود حتى وصل إلى قوله تعالى: "فمنهم شقى وسعيد" فأجابه ابن عطاء الله من القبر بصوت عال: يا كمال ليس فينا شقى، فأوصى الكمال بأن يدفن بجواره.
أبو العلا خليل